بروفيسور علي شمو .. عقود من التميز والإبداع

بروفيسور علي شمو .. عقود من التميز والإبداع

بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ

يظل البروفيسور علي محمد شمو أحد أبرز شخصياتنا المعاصرة، والتي عملت طوال سبعين عاماً في حقل الإعلام. وهو بهذا يظل أحد المعاصرين لكمٍّ هائل من الأحداث والمواقف التي كثيراً ما سردها، وظل حفياً بأجهزة الإعلام المختلفة حديثاً وتعليقاً وتصحيحاً لمعلومات غائبة عنا. بتاريخ 25 سبتمبر 1932 وُلد البروفيسور علي محمد شمو في أسرة يغلب عليها تعليمٌ ديني، جعله فيما بعد أحد الإعلاميين الأكثر معرفة بالفقه الإسلامي. درس شمو أولاً بمدارس التعليم النظامي بمدينة النهود بولاية غرب كردفان، ومن ثم كانت رحلة التعلق بالعلم الذي نهل منه حتى أصبح حاملاً لدرجة البروفيسور بالمعهد العلمي بأمدرمان. كانت دراسته للفقه والعلوم الدينية هي التي جعلته يشد الرحال إلى مصر، فتخصص في القانون، ومن ثم كانت محبته للإعلام الذي جرى جريان الدم في الشرايين.
عمل أولاً بإذاعة ركن السودان في القاهرة، التي أصاب فيها نجاحاً ملحوظاً جعله قريب الصلة من أهل الفكر والسياسة والغناء. وبتاريخ فبراير 1954 تم تعيينه بالإذاعة السودانية، وظل أحد المعاصرين لنهضتها وتطويرها خلال سبعين عاماً.
من أبرز أعماله نقل احتفال الاستقلال ورفع العلم بميدان المالية، وحوار أم كلثوم في أكتوبر 1968، وإنشاء التلفزيون في ديسمبر 1963.
تم ابتعاثه لألمانيا في العام 1960، فكان أول سوداني ينال تدريباً متقدماً على العمل بالتلفزيون في زمان لم يكن التلفزيون قد تم تأسيسه بعد، وهو ما جعله حين تأسيس التلفزيون في ديسمبر من العام 1963 يصبح أول مدير له.
تلاحقت نجاحاته في العمل الإعلامي، فعمل مديراً للتلفزيون ووكيلًا لوزارة الإعلام، وهو أصغر وكيل وزارة في السودان سناً، إذ عمل بالوظيفة وعمره 35 عاماً. نال خلال حياته المهنية أرفع الجوائز، وهي وسام ابن السودان البار ووسام النيلين وتكريم رئاسة الجمهورية.
بتاريخ 19 يناير 1965 عاد من بعثة دراسية بأمريكا، وتم تعيينه على الفور مديراً للتلفزيون.
وبتاريخ 30 مايو 1972 تم تعيينه عضواً في مجلس أمناء المعهد الإذاعي الدولي. وبتاريخ 13 يوليو 1968 نال ذهبية مهرجان براغ للتميز الأدائي في العمل التلفزيوني.
عمل وزيراً للإعلام في ثلاث فترات وزارية، وظل جهده وافراً يحكي عن شخصه المبدع في سن قوانين الإعلام والمساهمة في كل أنشطته، مما أوصله في العام 1969 ليشارك في تأسيس اتحاد إذاعات الدول العربية الذي عُقد بالخرطوم. داخل كتابه المرجع لتاريخ الإذاعة السودانية، والذي أتى بعنوان (تجربتي مع الإذاعة)، يقول علي شمو: للتاريخ فإن أول برنامج رياضي متخصص في الإذاعة المصرية قدمه ركن السودان، وبعد النجاح المنقطع النظير الذي حققه وسط المستمعين داخل مصر وخارجها، فكر الإخوة في البرنامج العام في اقتباس الفكرة وتقديمها من خلال البرنامج العام. وتعود القصة إلى العلاقة الخاصة التي ربطتني بالوسط الرياضي في مصر وبعدد من اللاعبين السودانيين في الأندية الكبرى كنادي الترسانة، لأنني كنت أمارس رياضة كرة القدم قبل مجيئي إلى مصر في فريق المعهد العلمي بأمدرمان، ثم فريق الكراكة درجة ثالثة، وعندما قدمت إلى مصر في سبتمبر 1949 لعبت في فريق كلية الشريعة والقانون وفي أشبال الزمالك، نظراً لأن عمري كان دون الثامنة عشرة. وأذكر أن نادي الزمالك استقدم عام 1950 مدرباً إنجليزياً اسمه مستر جونز ليدرب الأشبال، وكنت أحدهم، وحظيت منه بعناية فائقة لأنه كان يعتقد جازماً أنني سأكون واحداً من خيرة اللاعبين في خانة الظهير الثالث، وهي الخانة التي يلعبها حنفي بسطان كابتن فريق الزمالك، وهو أسمر اللون ويلقب بأبو القطر، وكان كثيراً ما يصادف فترة تمرين فريق الأشبال ويحرص على مشاهدتهم، ويشير إلى أنني سأكون خليفته في نادي الزمالك. ولعبت أيضاً في اتحاد شمال السودان في دوري الدرجة الثانية حتى وصلت إلى مركز قائد فريق.
هذه الخلفية جعلتني أكثر اهتماماً من زملائي في ركن السودان بالناحية الرياضية، يضاف إلى ذلك أنني كنت أعرف غالبية اللاعبين السودانيين في فريق الترسانة، فعثمان كلول لاعب المريخ، وعوض درديري لاعب الهلال، كانا من أبناء حينا في فريق السوق بأمدرمان، والنور بلة شقيق محمد بلة لاعب الهلال المعروف، وكان شقيقه محمد بلة من الحرفيين وصناعتهم الأنتيكات من سن الفيل، وكان حانوته قريباً من دكان قسم الله فضيل صديق والدي، وكنت أسكن معه في أمدرمان. وعن طريق عثمان كلول وعوض درديري تعرفت، ومعي بعض الطلبة، على آدم الجراح وحمدتو، وكانوا جميعاً في الري المصري في السودان، ولعب هؤلاء في فريق دوري المصالح، وتم نقلهم إلى مصر للعب في الترسانة التي هي جزء منها. هذا بالإضافة إلى اللاعب السوداني النابغة علي شرف، الذي انقطع عن المجتمع السوداني وأصبح جزءاً من المجتمع المصري بالرغم من أنه مشلخ، لأنه جاء إلى مصر في وقت مبكر ويتحدث بلهجة مصرية صرفة، وكان من أبرز اللاعبين السودانيين في الفرق المصرية. أيضاً علي أبو القاسم لاعب الزمالك المشهور ولاعب كلية الزراعة جامعة القاهرة، والتي زامل فيها نور الدين الدالي والحديدي، فقد كان يسكن في أمبابة، ووالده العم أبو القاسم علي توسكي كبير السودانيين الذين تعج بهم أسواق الإبل وتجارة الماشية في أمبابة، وأخيراً جاء عمر النور بعد أن لعب في فريق التحرير في الخرطوم. هذه العلاقة الحميمة التي ربطتني بكل هؤلاء الرياضيين السودانيين جعلتني أفكر في إجراء لقاءات إذاعية معهم في ركن السودان، تطورت فيما بعد إلى برنامج أو ركن للرياضة يقدم بشكل منتظم في ركن السودان، واكتسب البرنامج مع مرور الزمن شهرة جعلت الإخوة في البرنامج العام في الإذاعة المصرية يفكرون في إنشاء برنامج مماثل له.
ذكر البروف شمو أيضاً في الكتاب منافسته لطه حمدتو في التعليق على المباريات، وكيف طمأن شمو حمدتو بأنه لا يريد أن يحل محله، فقال له حمدتو ضاحكاً: أنا عارفك يا شماشم، أنت راجل ضكر وود ناس، وأبوك راجل اتحادي من المقربين للزعيم.
كما ذكر شمو عمله كناقد رياضي في الصحافة، يحرر صفحة الرياضة في جريدة الميثاق، ونشاطه في رابطة النقاد الرياضيين التي شارك في تأسيسها مع كوركي إسكندريان وعمر عبد التام وعمر حسن وأدهم علي ومبارك خوجلي وأحمد محمد الحسن وغيرهم، وعمله كمحرر منتظم للصفحة الرياضية في جريدة الصراحة الجديدة. يقول الإعلامي محمود أبو العزائم رحمه الله، صديق علي شمو: (يتسم علي شمو بالاستقامة والذكاء وصفاء الروح والوفاء، لم يقترب في حياته من موبقة من الموبقات كبرت أو صغرت، إلا إذا كان التدخين من الموبقات، حتى هذا التدخين لم يعمر معه طويلاً، ساعده على تركه قوة العزيمة عنده). وقال أيضاً: (جاء إلى السودان من دولة الإمارات وزيراً لا يملك أرضاً أو منزلاً، أعانه عليهما فيما بعد ما ادخر من مال خلال الاغتراب، وأهداه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان سيارة أمريكية فاخرة خصص لها طائرة خاصة لنقلها هي وعفشه إلى السودان. كان علي شمو هاوياً للسينما، يشاهد جميع الأفلام الأمريكية والمصرية، يدخل سينما برمبل ويخرج منها إلى سواريه سينما الوطنية مع مجموعة من الإعلاميين منهم صلاح أحمد محمد صالح وعبد الرحمن زياد وعصمت يوسف والتجاني الطيب وأبو العزائم وعبد الرحمن الياس). وقال أبو العزائم أيضاً: اختاره أزهري الكاتب الأساسي لكل خطاباته في المناسبات القومية وإلى بعض الملوك والرؤساء، لاعتدال فيه يقوم على نزعة دينية وحياء وعدم تطرف وهدوء طبع وأعصاب باردة. لغته العربية وبدقائقها ومفرداتها لا يأتيها الباطل من بين يديها أو خلفها، فهو عالم بها.
شمو اسم علم ولقب من شم الرائحة، وكأنما أصلها شموه فعل أمر، أي شموا رائحته الذكية، والله أعلم. تفسير بروف عون الشريف الذي أرخ لنسب آل شمو حسب رواية بروف علي شمو: (اشتهر شمو بن شاع الدين الذي ينتسب إليه شاع الدين بن محمود ود نوه من الكواهلة الكمالاب، وهو أخ محمود ود نوه والد شنبول جد الشنابلة بالمسلمية ونواحيها، وينتسب أحد أحفاده كما يلي: علي محمد شمو بن شاع الدين بن شمو بن شاع الدين بن خدر ابن بله بن شاع الدين بن محمود نوه). موسوعة القبائل والأنساب.
نال تأهيلاً أكاديمياً مرموقاً بجامعة الأزهر الشريف شريعة وقانون، وحصل على دبلوم تربية وعلم نفس، ودبلوم فوق الجامعي (قانون مقارن)، ودبلوم من جامعة سيراكيوز بالولايات المتحدة، وماجستير من جامعة ديانا بأمريكا أيضاً، ومؤخراً درجة الأستاذية (بروفيسور). مما يجدر ذكره أن شمو دخل المدرسة الأولية وعمره خمس سنوات. بدأ العمل بالإذاعة المصرية ركن السودان لمدة سنة تقريباً، وعمل بإذاعة أمدرمان يوم 20 فبراير 1955م، وفضل الإذاعة على العمل مساعد تدريس بجامعة الخرطوم.
من الأعمال التي يعتز بها خلال عمله بالإذاعة نقله لاحتفالات استقلال السودان مع أبو عاقلة يوسف، وإذاعته جلاء القوات البريطانية، وفي 1952/8/17 سجل احتفالات الأبيض بجلاء القوات البريطانية.
قدم شمو برنامج حقيبة الفن بعد صلاح محمد، وقدم في برنامج الهواة لأول مرة الفنانين صلاح مصطفى وأحمد الجابري ومحمد أحمد عوض، وفي التلفزيون أجرى الحوار الشهير مع الفنانة أم كلثوم كوكب الشرق. وشمو الذي عمل مديراً للتلفزيون كان رئيس اللجنة المكلفة بإنشاء التلفزيون، وبدأ العمل الفعلي به في ديسمبر من العام 1963م.
ساهم بفعالية في ظهور الفنان محمد وردي بأولى أغنياته (يا طير يا طاير)، يا سلام منك.
تقلد منصب وزير الإعلام ثلاث مرات، أولها كان بتاريخ 6 أغسطس 1976.
وآخر منصب تقلده كان بحق مماثل مضموناً معرفياً ومهنياً، وهو الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات.