
الحاج الشكري يكتب: لماذا خذل أبناء كردفان أرضهم وموطن أهلهم؟
نقطة وسطر جديد
الحاج الشكري
لماذا خذل أبناء كردفان أرضهم وموطن أهلهم
صبّ الزميل يوسف عبد المنان جام غضبه على أبناء كردفان وهم يتخاذلون في الدفاع عن أرضهم وموطن أجدادهم، مما أتاح الفرصة للمليشيا أن تتمدد داخل كردفان شرقها وغربها وجنوبها، وهي لا تخشى منهم ولا تعمل لهم أدنى حساب.
لا ينكر حتى أبناء كردفان أنفسهم أن جزءًا كبيرًا منهم انخرط في صفوف المليشيا، وللأسف حتى الوطنيون منهم جلسوا متفرجين، أما الخائنون منهم فاشتركوا في مسرحية مشينة اسمها حكومة تأسيس، جلسوا بداخلها وبشّروا بها ظنًا منهم بأنهم سيضفون عليها مظهرًا شرعيًا، حتى إن كان كاذبًا فإن ذلك يريحهم بعض الشيء. نقول لأبناء كردفان المتفرجين، وهم بالألف عليكم، أن تنظروا لتجربة أبناء الوسط كيف حرروا أرضهم. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا استطاع أبناء الوسط تحرير أرضهم، فيما عجز أبناء كردفان عن فعل ذات الشيء، وهم لا تنقصهم الشجاعة ولا خبرة القتال؟ ولكن نجد أبناء الجزيرة عندما رأوا الشريفات العفيفات يُغتصبن، ويُقتل كبار السن، وتُسلب الأموال، ويفسد الحرث والنسل، خرجوا عن بكرة أبيهم، يتقدمهم الفارس أبو عاقلة كيكل، شاهرين سلاحهم في وجه البغي والطغيان، فلقّنوا المليشيا درسًا لن ينسوه إلى الأبد، وحرروا أرضهم بسرعة أدهشت الكل في مشهد بطولي يسطره التاريخ إلى الأبد مع سفر أيوب. فأنتم يا أبناء كردفان أمامكم خياران: إما الانخراط في صفوف الحق والعدل من ناحية، ومن ناحية أخرى أمامكم سيف المعز وذهبه، ومع هذا السيف والذهب الدقلوي طبعًا المهانة والاغتصاب والقتل والنهب والعلمانية. فأيّ الخيارين يشبهكم؟ ولكن أقول لكم بكل صدق: إن في مثل هذه الظروف والضغوط والفقر والنزوح والحاجة، فإن من يتمسك بوطنه ويدافع عنه بماله وعياله ونفسه ليس مجرد إنسان شريف، وإنما هو بطل حقيقي، والأبطال في التاريخ الإنساني قلة، أتوا الأخلاق والصلابة في الدفاع عن أرضهم وعرضهم ووطنهم حتى النهاية مهما كان الثمن. إن ذهبوا فهم شهداء، وإن بقوا فحتما النصر سيكون حليفهم، لأن الله هو الحق، والحق سينتصر في نهاية المطاف.
وبالرجوع لمقال يوسف عبد المنان، نجده في جانب من جوانب المقال اتهم القيادة بالتقصير في الوقوف مع أبناء كردفان في تحرير أرضهم، وشحذ هممهم، ودعمهم بالسلاح والمال، مقارنة مع ما فعلته مع أقاليم أخرى سبقتهم في التحرير.
وإذا صدقت نبوءة العزيز يوسف، فيمكنني أن أشبّه أبناء كردفان بمجموعة من لاعبي كرة القدم الموهوبين، ولكن المدرب لا يحبهم ولا يحترمهم ولا يريد إعطاءهم الفرصة أبدًا، وهو يستعمل في الفريق لاعبين فاشلين يؤدون دائمًا إلى هزيمة الفريق. ومثلما في قانون الكرة من حق اللاعب إذا جلس على دكة الاحتياطي موسمًا كاملًا أن يفسخ العقد، وكذلك من حق أبناء كردفان أن يغضبوا ويحتجوا ويثوروا ضد هذا الإهمال والتباطؤ في تحريك متحرك الصياد حتى يصطاد فئران المليشيا وكلاب صيدها، بعد أن قتلت وشردت أهلهم من أرض أجدادهم. أجد نفسي متضامنًا مع الزميل يوسف عبد المنان ومع أهلنا في كردفان، لأن المركز منذ أكثر من عامين يتفرج على هزائم كردفان ومصائب أهلها، وللأسف وزير إعلام حكومة كامل لم يخرج حتى ببيان يتضامن مع أبناء كردفان، وهو للأسف منهم، ونجد ابنهم الآخر محي الدين سالم، وزير الخارجية، يصدر بيانًا يتضامن مع ضربة الكويت، وهي ضربة لم تؤذِ مواطنًا واحدًا، فيما يغض الطرف عن قتل المئات في دار حامد وغيرها من المناطق. وبعد هذا، أليس من حق أبناء كردفان أن يغضبوا؟ نعم، معهم الحق، ولكن دون أن يفسخوا العقد، لأن هذا هو وطنهم، ولا يستطيع أحد أن يتزايد عليهم في هذا الانتماء.
إنني في نهاية هذا المقال أطالب الحكومة أن تعيد النظر في تشكيل المقاومة الشعبية هناك، وتدعمهم بالسلاح والمال والإرادة، وفي ذات الوقت أطالب كل أبناء كردفان بالداخل والخارج أن لا يبخلوا بالمال والدفع بالشباب لصفوف القتال، كما فعل أبناء الجزيرة والبطانة، وأن يتجلى معدنهم الأصيل في الشراسة والقتال كما عرفناهم في أحراش الجنوب وفي الغابات والتلال والأمطار والجبال، فقهروا الجنوبيين عندما تقاعست الحكومات عن دورها. هذا هو تاريخهم، فلنذكرهم به إذا نسوه. وإذا تجلى هذا المعدن الذي نعرفهم به، فأنا على قناعة ستهرب المليشيا من كل مناطق كردفان كما هربت من سنار والجزيرة والخرطوم والنيل الأبيض، وتركت خلفها جثث قتلاها وأسلحتها الثقيلة والخفيفة بطريقة أشبه بالمعجزات، لتؤكد معها صدق المقولة الخالدة: (الشعب لما يصمم كل القلوب تنهار وكل الأيادي تسلم). ولعل هذا هو الرجاء والمرتجى.