عناوين الخميس

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

عناوين الخميس

1

عندما قرأ علينا أستاذ العربية هذه الحكاية سألنا ما الذي أعجبكم في القصة؟ فقال أكثرنا فِطنة وحُجة: كان الأمير أديباً ولكن المتهم كان فقيهاً.
أما أصدق ما في الواقعة أن الأمير كان يفهم ولذا تم إطلاق سراح المتهم. ولو كانت الحكاية في زماننا هذا لقضى المتهم عمره بين القضبان يصرخ ولا يسمعه أحد، وإن سمع فإنه لا يفهم ،وإن فهم فإنه لن يتصرف وإن تصرف فإنه لن يعدل.
تقول الحكاية:

طلب الحجاج بن يوسف الثقفي أن يُقبض على رجل، فلم يجده العسكر في داره فقبضوا على أخيه
فقال المقبوض عليه: أنا مظلوم.
فقال قائد العسكر : بحثنا عن أخيك فلم نجده ، فأخذناك.
قال المقبوض عليه : حسناً دعوني أكلم الأمير.
فقال: أصلح الله الأمير، إن هؤلاء أرادوا أخي فلم يجدوه فأخذوني وهدموا داري ، ومنعوا عطائي من بيت المال، ألم تسمع قول الشاعر؟
فقال له الحجاج: هيهات

جَانيكَ من يجنى عليكَ ورُبَمَا
تُعدى الصِحَاحَ مَبَارِكُ الجُرْبِ
ولَرُبَ مَأخوذٍ بِذنبِ عَشيرةٍ
ونَجَا المُقَارِفُ صَاحِبُ الذَنبِ

فقال الرجل : أصلح الله الأمير ولكنَّ الله عز وجل يقول غير ذلك، قال الحجاج : وماذا يقول الله عز وجل؟
قال الرجل : يقول الله تعالي: {قَالُوا يا أَيُّهَا العزِيزُ إِن له أبًا شَيخًا كبِيرًا فَخُذْ أَحدنا مكانه إِنا نراك من الْمُحسِنِينَ قال معاذ الله أَن نَّأْخُذَ إِلَّا من وجدنا مَتَاعَنَا عِندهُ إِنا إِذا لَّظَالِمُون}
فأطرق الحجاج ساعة وقال لـصاحب الشرطة: “فك قيد هذا الرجل ، وابنِ له داره، ومُر له بعطاء، ومُر منادياً ينادي : صدق الله وكذب الشاعر.

2
في كثير من الأحيان تتعاظم المظالم حتى يخرج العاقل عن طوره وينسى حتى الاستغفار، وكان ابن تيميه قدس الله سره يجد لمثل هذه الأخطاء حجة وعذراً، ونرجو من الحاكمين أن لا يُخرِجُوا الناس عن أطوارهم بالظلم فيفقدون حتى إدراكهم للرجعى والاستغفار. يقول ابن تيمية رحمه الله في مرافعته الصغيرة الكبيرة :
(وَإِذَا رَأَيْتَ الْعَبْدَ يَقَعُ فِيٰ النَّاسِ إِذَا آذَوْهُ وَ لَا يَرْجِعُ إِلَىٰ نَفْسِهِ بِاللَّوْمِ وَ الِاسْتِغْفَارِ فَاعْلَمْ أَنَّ مُصِيبَتَهُ مُصِيبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ)

3
إن كان لنا عنوان يكافئ هذه الحكاية في تقديري فهو :(عندما كان الشعر فخماً ورصيناً كان يسعى له الكبار حبواً) تقول القصة:
قدم المنصور البصرة قبل الخلافة، فنزل بواصل بن عطاء «١» وقال: بلغني أبيات عن سليم بن يزيد العدوي في العدل، فقم بنا إليه، فأشرف عليهم من غرفة، فقال لواصل من هذا الذي معك؟ قال: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، فقال: رحب على رحب، وقرب على قرب، فقال: أنه يحب أن يسمع أبياتك في العدل، فقال: سمعا وطاعة، وأنشد يقول:
حتى متى لا نرى عدلا نسرّ به
ولا نرى لولاة الحق أعوانا
مستمسكين بحق قائمين به
إذا تلوّن أهل الجور ألوانا
يا للرجال لداء لا دواء له
وقائد ذي عمىّ يقتاد عميانا
فقال المنصور: وددت لو أني رأيت يوم عدل ثم مت.

4
كل شئ ظاهر في هذه المقولة فقط عليكم التدبر في قيمة العين لا في قيمة اللسان وأفيدونا جزاكم الله خيراً
‏قالت العرب: إعرِفِ المرءَ مِن فعله لا مِن كلامه، ومِن عينِهِ لا مِن لسانِه.
قال الشاعر:
‏إن غرَّك القول فانظر فعل قائلهِ
‏فالفعل يجلو الذي بالزيفِ يستتر

5
كان الشاعرعلى الجارم صديق شوقي يقول: معلقاً على قصائد شوقي في الحيوان، هي ليست للاطفال كما يدعي البعض بل إنها تفوق ما يتَعَقّل فيه الرجال ويقرأ على أقرأنه:
الحيوانُ خَلْقُ له عليْكَ حَقُّ
سَخَّرَه اللهُ لكا وللعِبادِ قَبْلَكا
حَمُولةُ الأَثقالِ ومَرْضِعُ الأَطفالِ
ومُطْعمُ الجماعهْ وخادِمُ الزِّراعة
مِنْ حقِّهِ أَن يُرْفَقا به وأَلا يُرْهَقا
إِن كَلَّ دَعْهُ يَستَرِحْ وداوِه إِذا جُرِحْ
ولا يَجُعْ في دارِكا أَو يَظْمَ في جِوارِكا
بهيمةٌ مِسكِينُ يشكو فلا يُبينُ
لسانُه مقطوعُ وما له دُموع!
حاشية:
عزيزي أمير الشعراء لو طُبِق البرنامج الإسعافي هذا في حق الإنسان، فإن للحيوان رب يحميه.

6
لم أسمع في حياتي صبراً على الألم وكتماناً للدمع والبكاء أنصع من عبارة الباهلي التي تصلح عنواناً لكتاب لا يُكتب إلا بالتدبر،لانه فوق الأسطر والتأليف. يقول عليه الرحمة: (خذ الناقة ودع البكاء لأهله) .
أما أصل الحكاية فهو:
‏فُجع الحارث بن حبيب الباهلي بمقتل أبنائه الثمانية في يوم واحد ،فثبت قلبه وسكن لسانه، وبينما هو كذلك رأى رجلاً يبكي بحرقة على شاة أكلها الذئب وينوح عليها وكأن الدنيا انطفأت في عينيه.
نظر إليه الحارث بعين من ذاق الفقد ومد له ناقة من إبله وقال كلمته التي بقيت دهراً: (خذ ناقة ودع البكاء لأهله).
لم يقلها استخفافاً بحزنه بل إيقاظاً لبصيرته، أن لا تستنزف نفسك فيما يمكن تعويضه، فالعاقل يصون دمعه لما لا يعوض
ويمضي في الطريق فيما يبدل ويجبر.

7

يقول: خالنا عنتره بين شداد هذا الرجل الذي تسبق فصاحته وفراسته مقام العرب والأفارقة أبياتاً كتب على قلوب الرجال والنساء بالذهب وماء العيون، وإن أدنى ما نُكرِم به هذا الرجل هو أن نحفظ عنه هذه الابيات:
حَكِّم سُيوفَكَ في رِقابِ العُذَّلِ
وَإِذا نَزَلتَ بِدارِ ذُلٍّ فَاِرحَلِ
وَإِذا بُليتَ بِظالِمٍ كُن ظالِماً
وَإِذا لَقيتَ ذَوي الجَهالَةِ فَاِجهَلي
وَإِذا الجَبانُ نَهاكَ يَومَ كَريهَةٍ
خَوفاً عَلَيكَ مِنَ اِزدِحامِ الجَحفَلِ
فَاِعصِ مَقالَتَهُ وَلا تَحفِل بِها
وَاِقدِم إِذا حَقَّ اللِقا في الأَوَّلِ
وَاِختَر لِنَفسِكَ مَنزِلاً تَعلو بِهِ
أَو مُت كَريماً تَحتَ ظُلِّ القَسطَلِ
فَالمَوتُ لا يُنجيكَ مِن آفاتِهِ
حِصنٌ وَلَو شَيَّدتَهُ بِالجَندَلِ
مَوتُ الفَتى في عِزَّةٍ خَيرٌ لَهُ
مِن أَن يَبيتَ أَسيرَ طَرفٍ أَكحَلِ
إِن كنتُ في عَدَدِ العَبيدِ فَهِمَّتي
فَوقَ الثُرَيّا وَالسِماكِ الأَعزَلِ
أَو أَنكَرَت فُرسانُ عَبسٍ نِسبَتي
فَسِنانُ رُمحي وَالحُسامُ يُقِرُّ لي
وَبِذابِلي وَمُهَنَّدي نِلتُ العُلا
لا بِالقَرابَةِ وَالعَديدِ الأَجزَلِ