الحاج الشكري يكتب: إقالة والي الخرطوم وتهمة الخيانة

نقطة وسطر جديد

الحاج الشكري

إقالة والي الخرطوم وتهمة الخيانة

بعد ثلاثة أشهر من بداية الحرب التقيت لأول مرة بالأستاذ أحمد عثمان حمزة، والي ولاية الخرطوم، في مبنى متواضع جدا في شمال كرري، كان يدير منه شأن العاصمة المنكوبة. وبما أن هذا هو اللقاء الأول معه، فكان من الطبيعي أن أتفرس في وجهه وأستمع إليه بكل أحاسيسي وعقلي لتبدأ رحلة تقييمي له من تلك اللحظة. وكانت لنا معه بعد ذلك مواقف وحكايات ووعود، صدقها من صدقها وكذبها من كذبها، إلى أن أصبحت واقعا يمشي بين الناس.
زارنا في مدينة الصحفيين بالثورة، ووعد بإكمال المركز الصحي الذي كان عبارة عن هيكل ينعق فيه البوم، وتتبول فيه الكلاب الضالة، فكان أن نفذ وعده بإكمال المركز الصحي بأسرع مما يتصوره أكثر الناس تفاؤلا. الآن المركز الذي شيده أحمد عثمان تنتفع منه أكثر من عشرين حارة ومنطقة. ثم وعدنا بفرش المسجد فنفذ وعده، ووعدنا كذلك بإكمال المدارس بعد أن وجدها فصلين ومكتبا فقط بدون سور. نفذ وعده بأسرع مما يتصوره أكثرنا تفاؤلا، فأصبحت مدارسنا عبارة عن كليات جامعية مسورة، ولبيئة وروعة المكان اتخذت منها رئاسة تعليم كرري شمال مقرا لها. ومع أننا أمام رجل صادق جدا في وعده وعهده، ونادر في أفعاله وزمانه، ومع ذلك نرى هذه الأيام الرجرجة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، والعملاء والخونة والدراويش والضالين وأصحاب الأجندات الخاصة، يطالبون بإقالة رجل لم يطأ مكتب والي الخرطوم بالأمانة العامة بالولاية أفضل منه.
عندما قدمت كلمة ارتجالية باسم حارة الصحفيين وباسم الزملاء الصحفيين في مهرجان ختام الدورة المدرسية بقطاع كرري شمال، بحضور الوالي نفسه قبل ثلاثة شهور تقريبا، طالبت السيد الوالي بإنشاء مدرستين متوسطتين ومدرستين ثانويتين لخدمة حارة الصحفيين والحارات المجاورة. ويا للدهشة، بعد يومين فقط من هذه المطالبة تلقيت اتصالا هاتفيا من مسؤول كبير يفيدني بأن الوالي الأستاذ أحمد عثمان حمزة وجه بالبدء فورا في تصديق المدارس المتوسطة والثانوية توطئة للشروع في تنفيذ هذه المشاريع الخدمية. فالآن لا يوجد بيننا أي متشائم، والكل على قناعة بأن هذه المشاريع سترى النور قريبا، وذلك لقناعة الجميع بأنهم أمام رجل صادق جدا في أقواله، ويتابع ملفاته وقراراته بنفسه. فبربكم، أي مسؤول في هذا الظرف الصعب يوجه بإكمال الخدمات بهذه السرعة؟ ومصدر دهشتنا أن هذه الخدمات وبهذه السرعة لم نشهدها في زمن السلم، دعك من زمن الحرب. وما تم عندنا من خدمات تم كذلك في أكثر أحياء الخرطوم، حيث تقديم خدمات التعليم والصحة والكهرباء والمياه في جهد صاحبته كرامات ومعجزات ومستحيلات، ومع ذلك نرى بأن هناك من يطالب بإقالته، مما يؤكد فعلا بأننا في عالم ثالث متخلف وفي سودان مريض نفسيا وعقليا، ونسأل الله أن يشفي هؤلاء المرضى من الذين لا يحاربون إلا الناجحين ولا يبحثون إلا عن مصالحهم فقط.
تعاقب على حكم ولاية الخرطوم عدد من الحكام والولاة، ولكن في نظرنا أن الوالي الحقيقي والعملي هو أحمد عثمان حمزة بدون منازع، ويجب أن يكون فخرا لكل أهل الولاية. كيف لا وهو الوالي الذي صمد في وجه آلة الجنجويد صمود الفرسان والقادة الأفذاذ، حتى أغاظ قائد المليشيا المجرم حميدتي، فسمعته ذات مرة يقول في مقطع صوتي بأنه سيلقي القبض على والي الخرطوم في الأيام القادمة، طالما أنه راكب رأس ويرفض المغادرة أو الاستسلام، إلا أن الفارس أحمد عثمان يمد له لسانه ساخرا ويمضي ولا يبالي لإيمانه بعدالة قضيته وحبه لخدمة مواطنيه.
للأسف، في كل دول العالم المتقدم، الذي يخدم وينجز لشعبه ووطنه يتم تكريمه وتقديره وإعانته، إلا في السودان، ما إن تنجح في أي مهمة إلا وتغرس السكاكين في ظهرك حتى تنهار أو تفشل، ومن ثم يبحثون عن ناجح آخر غيرك. إنهم مثل الكلاب، تنبح في كل رجل متقدم نحو مستقبل مشرق، وما أن يتوقف عن الحركة تتركه لتنبح في متحرك آخر.
في ختام هذا المقال لا بد أن نقول: إن كان هناك من يسعون لصناعة قرار بإقالة والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة، فيجب أن توجه لهؤلاء تهمة الخيانة في حق الوطن والمواطن. أعوذ بالله منكم.