كمال حامد يكتب: أيام وذكريات من شرق السعودية

من السبت إلى السبت

كمال حامد

أيام وذكريات من شرق السعودية

 

في ربوع المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية قضيت هذا الأسبوع متنقلاً بين مدنها الثلاث الكبيرة: الدمام والخبر والهفوف، بدعوة رياضيي الأخيرة التي تعرف بالأحساء، للمنطقة موقعاً في نفسي، رغم أنني عشت بها خمس سنوات (من 1979م إلى 1984م) من بين سنواتي الواحد والخمسين بالمملكة (من 1975م إلى 2026م).
في المنطقة الشرقية لا تحس بأنك غريب أو وافد أو مقيم أو أجنبي، مهما تكن التسمية، ذلك لطبيعة أهل هذه المنطقة الأكثر ارتباطاً بغير السعوديين، كما أهل منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة الملتصقين بضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين، ومنهم نسبة كبيرة صاروا مواطنين.
أعود للمنطقة الشرقية مع بعض التركيز على أهل منطقة الأحساء الذين دعوني لمشاركتهم ختام موسمهم الرياضي الثقافي، وهو ما زلت أحرص عليه ولو بدون دعوة، تقديراً للإخوة الأعزاء الذين يقودون النشاط ويبذلون من أجله الكثير من الوقت والجهد والمال وتسخير علاقتهم بأهل المنطقة.
في الأحساء كان وجودنا كرياضيين ولاعبين ومدربين في أنديتها العريقة: هجر والروضة والفتح والمبرز، وتخونني الذاكرة في ذكر الأسماء الآن بعد أن سجلت كل أسماء الرياضيين السودانيين الذين عملوا بالمملكة في كتاب استغرق إعداده أربع سنوات، وقبل أن يصل للمطبعة انقض عليه الجنجويد والمرتزقة وشفشافة ضعاف النفوس الذين بعثروا البيت.
كنا نحظى بالاهتمام من المسؤولين السعوديين في رعاية الشباب والبلديات، ونتمتع بحرية لا يتمتع بها غيرنا، وفي الأحساء سألت عن صديقي الأستاذ عبد العزيز الشعيبي، مدير مكتب رعاية الشباب بالأحساء، وترحمت عليه حين علمت بوفاته، وأطال الله عمر نظيره بالدمام الأستاذ عبد الله فرج الصقر.
أتذكر الإخوة الذين قام على أكتافهم النشاط الرياضي والثقافي بالأحساء، وأبرزهم الأخ الباشمهندس محمد جعفر ابن شمال السودان الذي عمل في السكة حديد بعطبرة ولعب لنادي الأمير، وعجبت حين أعلن في ختام المهرجان الأخير اعتزاله العمل في لجنتي الرياضة والجالية، وهمست في أذنه (مش على كيفك وتلقاها عند الغافل) لأنها رغبة لم تجد من يسمح له بها.
محمد جعفر نسخة من شخصية السودانيين الذين يرفعون رأسنا بأدائهم، وأتذكر قصة يرويها السعوديون حين صدر قرار بسعودة وظيفته في بلدية الأحساء، وسأل أمين المنطقة أن يأتوا له بنسخة منه حتى يسمح له بالمغادرة، وبقي سنوات بتعاقد جديد ولا زال.
حمدت الله هذه المرة أن وجدت من عاصرونا في النشاط الرياضي الثقافي بالمنطقة في العمل مع تشكيلات رائعة من الشباب، وتحية للمخضرمين الإخوة الكابتن صلاح بوكو والكابتن نادر عبد الحافظ والريس محمد إدريس وعبد الكريم والطريفي وإكليل والأمين وأبو حنين ومضوي وأشرف وإسماعيل ووليد، وهذا ما جاد به ما تبقى من الذاكرة السبعينية.
كان مهرجان الجمعة الماضية حدثاً لا أبالغ إن ذكرت بأنه يذكرنا بالأحداث العالمية، لا تستغربوا، فقد بدأ الحفل بموسيقى الشعار الأولمبي العالمي مع دخول الفرق وإعلان الختام، وزاد عليه أهلنا السودانيون باصطفاف الفريق الذي خسر كأس البطولة “أسد الشرق” لتهنئة الفريق الفائز “كرري”، إضافة لسلوك رياضي جميل لم يجد الحكام السعوديون الدوليون صعوبة في إدارة المباراة.
شاركت أكثر من عشر شركات سعودية في رعاية الفعالية الرياضية، وشارك أصحابها في تقديم الجوائز والكؤوس والميداليات والهدايا التذكارية التي نالنا منها نصيب، حرصت على السؤال عن تكلفة المهرجان وتوثيقه بأكثر من ست كاميرات، منها كاميرا درون تحلق فوق رؤوسنا، وعلمت بأنه كلف أكثر من مائة وخمسين ألف ريال.
ودعنا الأحساء مساءً مع الوفد الكبير من أهلنا قادة العمل والنشاط الرياضي والثقافي بالدمام والخبر والجبيل الذين يمثلون قيادة الجالية ورابطة السودان الرياضية ورابطتي الهلال والمريخ، عن هؤلاء سأكتب إن شاء الله السبت القادم كما كتب الشاعر الراحل الأستاذ سعدالدين إبراهيم، ولحن وصاغ الأستاذ أبو عركي البخيت (عن حبيبتي الشرقية بقولكم).

 

تقاسيم .. تقاسيم .. تقاسيم

 

من الصعب مغادرة المنطقة الشرقية دون الإشارة لمجموعة قادة العمل الرياضي والثقافي بالدمام والخبر، وكان لنا شرف تأسيسه في العام 1982م في حضرة بعثة الهلال العظيم المشارك في البطولة العربية، وشرفنا في التعالي على الصغائر وحفظ اسم وسمعة السودان عالية.
تكونت أول لجنة للرابطة الرياضية برئاسة المرحوم يوسف عبد اللطيف، وكنت سكرتيرها مع مجموعة من نشطاء تلك الفترة، وكبارنا رئيس جالية الدمام عمنا أحمد تايوتا ورئيس جالية الخبر عمنا مقبول الباشا والرمز الكبير عمنا عبد القادر ياسين أبو ياسين رحمهم الله، وفي حضور الهلال تم تكوين رابطتي الهلال والمريخ برئاسة العم عبد الباسط الجاك وعبد الماجد وأنور عتباني.
تواصل بعدها النشاط الرياضي وتطور بضرورة كبيرة وصلت بتأسيس الأكاديميات، بدخول شخصيات مرموقة منهم الإخوة صلاح الربح والمنصوري وعادل علي وصلاح البريد وياسر أبو عمار وهيثم مبارك، وتتطاير الأسماء ولكن تبقى الوجوه.
ناس الشرقية متميزون حتى في مساندتهم للهلال والمريخ، لاحظنا حماس أحدهما عند زيارة الآخر، والطريف قبل أعوام كان رئيس رابطة الهلال أحمد (الأحمر) ولا زال، ورئيس رابطة المريخ محمد (الأزرق)، أما الجديد في انتخاب لجنة الجالية الحالية فقد وضع أعضاء الرابطتين أيديهم مع بعض مستفيدين من حسن التنظيم والعضوية، واكتسحوا الانتخابات، فاز رئيس رابطة الهلال بالرئاسة الأخ الأحمر، وفاز رئيس رابطة المريخ الحالي المنصوري بالأمانة العامة.
كان دور الرياضيين والشباب واضحاً في العمل الطوعي المساند لنجاح امتحانات الشهادة السودانية حالياً بالرياض والدمام، وشاهدت احتفال رابطة السودان الرياضية برئاسة الأخ صلاح الريح وتكريم لجنة الامتحانات بالدمام، وأضافت بذلك لوحة جديدة من لوحات العمل الإيجابي المتواصل.
من الدمام انتقلت للرياض بقطار السكة الحديد كما كنت أحرص دائماً، وفي العاصمة تشرفت بدعوة لزيارة مركز امتحانات الشهادة السودانية التي جلس لها في الرياض ثلاثة آلاف وخمسون ألفاً طالباً وطالبة، وفي الدمام مائة وعشرون ألفاً، أحسنت السفارة واللجنة نجاحها وتوفير كل سبل الراحة في مدرسة جواهر الرياض السودانية العالمية التي يقودها زميلنا السابق في تعليم الشمالية الأستاذ صالح كنة، وأتمنى العودة الأسبوع القادم لهذا الموضوع.
لحرصي على زيارة مواقع النشاط الرياضي بالرياض تشرفت بدعوة رفيقنا الرياضي الكبير المدرب محمد الطيب مورينهو لزيارة ملعب الصالحية أمس الجمعة، وكذلك الجلوس مع أبناء عطبرة بالعاصمة السعودية، وقام بالمهمة الكابتن النشط ناجي الطوافي وسبقه عماد مقلد ورمضان حميد الداخلة قبل المغامرة اليوم السبت إلى تبوك.
ما أصعب أن يأتيك خبر مصيبة الموت في الاغتراب، انتقلت لجوار ربها الخالة العزيزة نفيسة موسى فرغلي بعد عمر حافل بالعمل الجاد في جمع شمل الأسرة بعد رحيل الجد وكل الخيلان والخالات، أسأل الله لها الجنة ولنا ولأسرتها الصغيرة الصبر والدعاء لها ولأمواتنا وأموات المسلمين.
قد نلتقي السبت القادم من تبوك إن كان في البدن صحة وفي العمر بقية.