
محمد علي التوم من الله يكتب: المخفي والمعلوم في إنجازات والي الخرطوم (1)
وفي العقل متسع
محمد علي التوم من الله
المخفي والمعلوم في إنجازات والي الخرطوم (1)
قبل الدخول إلى هذا الموضوع المهم جدًا، تحضرني حكاية شخصية طريفة ذات دلالات، قد يفسرها سياق هذا المقال لاحقًا. فقد كان مما تعود عليه والدي (عليه رحمة الله) حينما يحضر من السوق بعد الظهيرة، وتوضع أمامه مائدة غداء خاصة، وبعد كباية شاي لزوم المزاج، كان يخلد للراحة في السرير مستلقيًا على ظهره، ويضع رجله اليمنى على اليسرى، ويربت على حافة قدمه بيده عدة مرات، ويقول بعد أن يكون قد أخلد قبلها لتفكير عميق:
(والله حاجة عجيبة)!!
لم أكن لأجرؤ على سؤاله عن ما هي الحاجة العجيبة تلك، فقد كنت في سن الدراسة في المرحلة المتوسطة، وعلقت تلك العبارة في رأسي وبها علامات تعجب واستفهام، حتى وصلت لذات السن التي كان قد بلغها الوالد، وأنا أتحمل مسؤولية البيت والأسرة الكبيرة، فوجدت نفسي ذات يوم أستلقي على سريري بذات الطريقة، وأربت على راحة قدمي، وأقول:
(والله حاجة عجيبة).
فعرفت أخيرًا ما هي الحاجة العجيبة التي كان يعانيها الوالد (عليه رحمة الله). والواقع أن الحياة بكل تفاصيلها (حاجة عجيبة)، وهل هناك حاجة عجيبة أعجب من تلك التي حدثت لبلادنا العزيزة، والتي أطلق عليها حرب الكرامة؟!
ولعل أعجبها بالتأكيد ما حدث للخرطوم في تلك الحقبة التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ السودان على الإطلاق. الوالي الأستاذ أحمد عثمان حمزة تحمل مسؤولية والي ولاية الخرطوم قبل وأثناء حرب الكرامة، ولا يزال حتى كتابة هذه السطور يتحمل الكثير مما يؤهله أن يتوشح نياشين الجدارة في المخفي والمعلوم في إنجاز ما نحسب أن يفشل فيه الكثيرون. ونبدأ في سرد القليل والمهم منها، ونعجز أن نحصرها جميعًا، لأن تلك وظيفة الإدارات والمؤسسات المتخصصة للرصد والتوثيق، منها العامة والخاصة.
وأقترح أن تنشط إدارة الولاية الإعلامية لإصدار مجلد أو مجلدات مرجعية موثقة بما قامت به الولاية في تلك الحقبة، لأهميتها القصوى للأجيال القادمة التي يهمنا أمرها كثيرًا.
وقبل أن نتطرق لما أنجزه الأستاذ أحمد عثمان حمزة، علينا أن نتعرف على ماهية وحجم ما حدث لولاية الخرطوم، وهل يمكن لأي شخص أن يتحمل بجدارة مسؤولية أن يعبر بها لبر الأمان، ثم يكون له مما تم من الدعم والكفاءة في الإسناد لقوات الشعب المسلحة لتحرير العاصمة، والمحافظة لأهم مرتكزات كرامتها وعزتها واستقلالها، واستتباب الأمن والاستقرار، ثم إعادة التعمير والبناء والمعافاة والنهضة؟!! وإذا سألت ما هي الخرطوم، ومن ذا الذي يستطيع أن يتحمل مسؤوليتها في أزمنة السلم، ناهيك عن الحرب، فسيأتيك الجواب عجبًا، وبه مواصفات على من هو الأجدر على تحمل مسؤولية ذلك.
وينبغي أن نتعرف أولًا على ماهي الخرطوم التي تقلد مسؤوليتها هذا الوالي. إن أحلى ما يمكن أن يعبر عن الخرطوم موقعها والثراء الجغرافي الذي تتمتع به، وما يميزها هو ما وصفها به الشاعر المصري القدير صلاح الصبور في قصيدته “ملتقى النيلين”:
(لا هذه ولا تلك ولا الدنيا بما فيها تساوي ملتقى النيلين في الخرطوم يا سمرا).
ولعل الأتراك الذين غزوا البلاد فطنوا لذلك الموقع من قبل، وكانوا أول من حلم بأن يجعلوها عاصمة لحكمهم. ويقول المؤرخ دكتور أبو سليم إن الخرطوم لم تكن لها أهمية تذكر حتى مجيء الأتراك، وحينما أقدم إسماعيل باشا في الفتح التركي، لم تكن الخرطوم مدينة بالمعنى المعروف. وبعد مقدم إسماعيل باشا، كانت الخرطوم مأهولة بالسكان.
إن الخرطوم التي تعددت أسماء من تولوا شأن إدارتها عبر أزمنة الحكم المتعاقبة منذ الحكم التركي والإنجليزي المصري والاستقلال، تعاقب عليها مسؤولون بمسميات شتى إدارية، منها الحاكم والمفتش والمدير والوالي، وهنالك من تميزوا منذ حكم الغزاة حتى اليوم، وهم قلائل، سجل لهم التاريخ جزءًا من أهم ما فعلوه.
فلما خلف عثمان بك الدفتر دار وصار مديرًا للخرطوم، سجل في تلك الحقبة كأول مدير للخرطوم، وبعد أن مات عثمان بك خلفه (محو بك)، فقد وثق له التاريخ أنه كان رجلًا إداريًا قديرًا، بدأت الخرطوم في عهده أول خطوات العمران في منطقة الشجرة، وسميت تلك الشجرة التي زرعها بشجرة محوبي، وهكذا.
ثم جاءت المهدية فتحولت العاصمة لأمدرمان، وبعد ذلك أعادها الإنجليز إلى الخرطوم، ثم أصبحت العاصمة المثلثة، ثم بالخرطوم الكبرى، وهكذا دواليك.
في حقبة هذا الغزو اللعين حدث ما حدث مما لم يسبق له مثيل في التاريخ، وهي الحقبة التي تسلم المسؤولية فيها الأستاذ أحمد عثمان حمزة واليًا للخرطوم، وبها أكبر تحدٍ ينقسم لقسمين:
الأول هو التناقضات والمشكلات المعقدة التي كانت تعاني منها من قبل، ثم (تمت الناقصة) لما أصابها أثناء وبعد الحرب.
وهي عاصمة ومدينة سيأتي ما ينبغي أن تتمتع به محليًا وإقليميًا ودوليًا، والتاريخ يسجل ذلك.
إن أول ما اهتدى له الأستاذ أحمد عثمان حمزة في زمن الحرب والعدوان، في أوج بطشه وتنكيله، هو سلامة الجبهة الداخلية، والتكاتف والتعاون الشعبي بكافة فعالياته وقياداته وقطاعاته ورموزه وإمكاناته وموروثاته، ليصبح يدًا واحدة خلف قواته المسلحة في صد العدوان، وتحرير كافة أجزاء الوطن، وفي مقدمتها العاصمة، من هذا الذي لا يمكن أن يتصوره عقل من التدمير والخراب وطمس الهوية.
ونجح الأستاذ أحمد عثمان حمزة في ذلك، والشاهد تلك الشعبية التي يتمتع بها أينما وجد في كل الأوساط الشعبية، فتجده في أي موقع حتى لتحسب أنه لم يبت يومًا في منزله مع أسرته.
نواصل إن شاء الله.