
د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: الخرطوم وأمدرمان .. خطاب السياسة حين يعيد رسم الهوية
مسارات
د. نجلاء حسين المكابرابي
الخرطوم وأمدرمان .. خطاب السياسة حين يعيد رسم الهوية
في لحظات الاضطراب، لا تكتفي السياسة بإدارة الواقع، بل تعيد صياغة اللغة التي نصف بها أنفسنا. ومن أخطر ما تنتجه هذه اللحظات، تحويل المدن إلى هويات مغلقة، وكأن الجغرافيا تحمل صفات بشرية ثابتة.
في السودان، تتكرر ثنائية لافتة: الخرطوم كرمز للسلطة والنخبة، وأمدرمان كعنوان للأصالة والامتداد الشعبي. ومع تصاعد التوتر، تنزلق هذه الثنائية من توصيف اجتماعي إلى إيحاءات أعمق، توحي بوجود اختلافات “جوهرية” بين السكان.
تاريخيًا، يمكن فهم جذور هذا التصور. فقد تشكلت الخرطوم الحديثة في ظل الحكم التركي المصري في السودان كمركز إداري وسياسي، استقطب فئات مرتبطة بالدولة والتعليم والتجارة.
بينما برزت أمدرمان خلال الدولة المهدية كعاصمة ذات طابع شعبي، احتضنت موجات واسعة من السودانيين من مختلف الأقاليم.
هذا التمايز في النشأة والدور خلق فروقًا واضحة في الصورة الذهنية لكل مدينة، لكنه لم يؤسس يومًا لانقسام عرقي أو جيني بين السكان.
غير أن الخطاب السياسي—خصوصًا في أزمنة الصراع—يميل إلى إعادة تفسير هذه الفروق بلغة حادة، تختزل التعقيد في ثنائيات سهلة التداول.
بهذه الطريقة، تتحول الخرطوم إلى رمز “للمركز” بكل ما يحمله من سلطة وامتياز، وتُستدعى أمدرمان كرمز “للهامش” والأصالة. ومع الوقت، يتم تحميل هذه الرموز دلالات تتجاوز الواقع، وتُقدَّم وكأنها حقائق ثابتة، رغم أنها لا تستند إلى علم مثل علم الوراثة السكانية ولا إلى واقع سكاني متداخل.
المفارقة أن الحياة اليومية في المدينتين تكشف عكس ذلك تمامًا.
حركة الناس، التزاوج، التداخل الاقتصادي والاجتماعي، كلها تذيب أي حدود صلبة يمكن تخيلها بين “سكان الخرطوم” و”سكان أمدرمان”.
لكن لماذا يستمر هذا الخطاب؟
لأنه يخدم أغراضًا سياسية واضحة:
يبسط المشهد، يسهّل التعبئة، ويخلق شعورًا سريعًا بالانتماء في مواجهة “آخر” مُتخيَّل. غير أن هذا التبسيط يأتي على حساب الحقيقة، ويفتح الباب أمام انقسامات لا ضرورة لها.
اخيرا: الخرطوم وأمدرمان ليستا هويتين متصارعتين، هو فضاء واحد تشكّل عبر تاريخ طويل من التداخل.
وأخطر ما يمكن أن تفعله السياسة، ليس إدارة الاختلاف، لكن تحويله إلى حدود صلبة… لا وجود لها إلا في الخطاب.