
عاشقين الجمال في لمعة الحرباية
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
عاشقين الجمال في لمعة الحرباية
قصة قصيرة جداً في عبرة طويلة جداً
كان والدي تاجراً تقليدياً يعمل في تجارة الحبوب ، وقد جنى منها أرباحاً طائلة تمثلت في عشرات العقارات السكنية والمحلات بأسواق العاصمة الشهيرة. كانت له أرصدة معتبرة في عدد من المصارف السودانية والأجنبية، لكنه كان زاهداً في ملبسه ومأكله ومسكنه، لكن كان باذخاً في عطاءه.
تأبى علينا أن نغادرالحارة التي وُلد فيها رغم ضيقنا من ذلك، وكان عليه الرحمة يرد علينا بحزم: كيف أغادرالعشيرة والأهل والأصدقاء والمعارف من الذين احتملوا فقري! وما هو المبررالأخلاقي أن أغادرهم حين أصبح صاحب سعة ويسر ومال! وكان يضيف أنا لا أفرض عليكم السكن معي فحين يفيض الله عليكم برزق فاسكنوا في الحارات الفاخرة التي ترغبون.
كنا ثلاث إخوة وثلاث أخوات تخرجنا بكليات معتبرة وعملنا بنجاح في تخصصاتنا، لكن والدنا قام بتنشئتنا على زهده واحترامه للآخرين، وكنا نقوم بكل ذلك قولاً وفعلاً بقناعة تامة. كان الوالد عليه الرحمة يصحبنا وإخوتي وأخواتي في رحلة شهرية للسجن بأمدرمان حيث يقوم بدفع (غرامة) أحد المساجين الذين يفيد السجن بتوبته وحسن عشرته وحاجة أسرته إلى رفقتهم حتى لا تفرقه نوائب الدهر، فيفقد المجتمع الأب ويفقد العائلة، وكان يأمر أخواتي بأن يفعلن ذلك مع بعض المحكومات بذات المعايير، ونواصل الرحلة إلى مستشفى أم درمان ومستشفى بحري ومستشفى الخرطوم، فيكمل فاتورة الجراحة لبعض المرضى، ويهدي الدواء والغذاء ويقوم ببعض أعمال الصيانة.
كان وكنا بعدها كنا نتوجه إلى المقابر كان عليه الرحمة يحفظ كل مواقع قبورالأقارب والأحبة ويقرأ عليهم القرآن ويتصدق ويراجع خدمات الماء التي جعلها صدقة جارية لوالدته ووالدتنا وصارت هذه الرحلة الثلاثية برامج راتب في حياتنا، وعندما رحل وجدناه قد كتب في وصيته الكثير من أعمال الخير والإعانات وأمرنا بأن نضيف لها صلاة الفجر بالمسجد القريب ورعايته ونظافته ومساعدة إمامه والمؤذن والحارس.
إني أعترف بأني قمت بالكثير من الأعمال الناجحة مادياً كان في غالبها يشغلني ويرهقني حتى كنت أتساءل في وحدتي إلى متى أجد راحة وأنا أحصد الأموال وأشيد الأعمال إلى متى؟ وأشهد الله إني لا أجد راحة ولا إخوتي إلا حين نبادر للرحلة الثلاثية ما بين المستشفى والسجن والمقابر،والمعني الكبير الذي استفدناه من هذه الرحلة المباركة أن الذي يزورالمستشفى يعرف معنى الصحة والعافية، والذي يزور السجن يعرف معنى الحرية ، وإن الذي يزورالمقابر يدرك لكم هذه الحياة ضئيلة ولا تستحق كل هذا العناء وما أعظم أبيات حكمة الشاعر حكيم الدامر حين قال :
1
خيرك ما بيدوم يا البهرج الغشاشة
يا مطر المنية الديمة سابقة رشاشه
كم قصراً جميل أنواره تضوي بشاشه
دمرتيهُ أصبح فاقد المقشاشه
2
سـرورك مـا بتـم عاقباهو ديمـة الفجعـة
وظاهرك لينا سكر الا طعمك وجعـة
كـم طفشتي مرتاح وقـلبو مابي الهجعة
روحـو تشابـي وانتِ قطعتِ خط الرجعة
3
درقة الرغوة كم دمرت ناس ومساكن
كم زليت بعد العزة شامخ وماكن
كم صبَّحت قلباً حي ومتلّجْ وراكنْ
وكم صبَّحت عمران ذي مباني سواكنْ
4
تبقالك جنينه تمتعك بثماره
ترقد في أمانها وتنهمك في عماره
باكر تبقى ليك حنظل وتشوفه دماره
تسحب منك النعمه وتدق مسماره
5
دي الغشاشه دي الغدارة دي العقاره
كم قلبت زغاريت عرسه بي نقاره
أعلنها بي الحرب قبال تشن الغاره
وقبل الروح تقرقر تبق في الغرقاره
6
اتغشينا في حبك لبسنا عبايه
يا موية الرهاب الما ملت كبايه
عجيب يا دنيا أمرك إلا نحن غبايه
عاشقين الجمال في لمعة الحربايه