السلمابي: البندقية تحسم لحظة والكلمة تصنع الذاكرة
الرائد (م) سر الختم السلمابي ل (ألوان): (2)
البندقية تحسم لحظة والكلمة تصنع الذاكرة
“زناد ومداد في معركة الكرامة”.. ديواني الجديد
حوار: هدى الخليفة النور
في زمنٍ تتداخل فيه الروايات وتتسارع فيه الأخبار، تظل الحقيقة بحاجة إلى من يحرسها بوعي ومسؤولية، فالإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح ساحةً أخرى من ساحات الدفاع عن الوطن، حيث تتقاطع الكلمة مع الواجب، وتلتقي الرسالة الإعلامية بروح الجندية والانضباط.
وفي قلب هذه المساحة التي تجمع بين صرامة الميدان وقوة الكلمة، يبرز اسم الرائد (م) سر الختم السلمابي، أحد ضباط القوات المسلحة السودانية، الذي اسهم في معركة الوعي عبر الإعلام العسكري، مؤمناً بأن الكلمة الصادقة قد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من ضجيج المعارك. وفي هذا الحوار الخاص، يفتح الرائد (م) سر الختم السلمابي صفحات من سيرته وتجربته؛ يحدثنا عن البدايات الأولى داخل أسوار الكلية الحربية، وعن مسيرته في صفوف القوات المسلحة، وطبيعة العمل في الإعلام العسكري والتحديات التي يواجهها في زمنٍ تتعدد فيه مصادر المعلومات وتكثر فيه الشائعات، بجانب حديثه عن “عدة أشياء ومواقف” تتعلق بمعركة الكرامة.
هل كتبت الشعر في قلب المعارك؟
نعم كتبت، وربما كانت تلك أكثر لحظات الكتابة صدقًا وتجردًا، ولم تكن هناك رفاهية التفكير الطويل أو التنقيح، بل كانت الكلمات تأتي كما هي، مباشرة من القلب إلى الورق. وأحيانًا كنت أكتب بسرعة في لحظة استراحة قصيرة، وأحيانًا أخرى كنت أؤجل الكتابة حتى يهدأ الليل، فأجلس مع نفسي وأحاول أن أستوعب ما حدث خلال اليوم.
وكانت القصيدة تولد من تفاصيل قد تبدو بسيطة: نظرة جندي تعب، صمت شارع بعد اشتباك، أو حتى صوت الريح وهي تمرّ على مكانٍ شهد معركة.. كل هذه التفاصيل كانت تتحوّل إلى كلمات، وكأنها تحاول أن تحفظ نفسها من النسيان.
إلى أي مدى يمكن للكلمة أن توازي البندقية؟
البندقية تحسم لحظة، لكن الكلمة تصنع الذاكرة، قد تحمي البندقية الأرض من خطرٍ مباشر، لكن الكلمة تحمي الوعي من الضياع، وإذا ضاع الوعي ضاعت كل الانتصارات مهما كانت كبيرة. وأنا أؤمن أن المعركة الحقيقية ليست فقط في الميدان، بل في العقول… في كيف نفهم ما يحدث، وكيف نرويه، وكيف نُورثه للأجيال القادمة.. ومن هنا، تصبح الكلمة شريكًا أساسيًا للبندقية، لا تابعًا لها.
كيف تنظر لدور الإعلام الحربي؟
الإعلام الحربي يؤدي دورًا مهمًا، لكنه يظل محدودًا أمام اتساع التجربة الإنسانية داخل الحرب.. هناك تفاصيل لا تُرى، وأحاسيس لا تُنقل، ومواقف لا يمكن اختزالها في تقرير أو مشهد مصوّر.
ورغم ذلك، يظل الإعلام شاهدًا ضروريًا، لأنه ينقل جزءًا من الحقيقة، ويُبقي الذاكرة حيّة، لكن الإنصاف الكامل لتضحيات الجنود ربما لا يتحقق إلا في وجدان الناس، وفي التاريخ الذي يُكتب بصدق.
هل تفكر في إصدار ديوان شعري؟
بالفعل، لم تكن الفكرة مجرد تفكير، بل تحققت على أرض الواقع.. صدر لي ديوان شعري بعنوان: “زناد ومداد في معركة الكرامة”.. وحاولتُ من خلاله أن أوثّق هذه المرحلة بكل ما فيها من تناقضات: القوة والضعف، الخوف والشجاعة، الفقد والأمل.
هذا الديوان ليس مجرد نصوص شعرية، بل هو شهادة إنسانية… محاولة لكتابة ما عشته كما شعرت به، لا كما يُروى من بعيد.. وأردته أن يكون جسرًا بين الميدان والقارئ، بين صوت البندقية وصوت القلب.
أخيرًا… بين الرتبة العسكرية والقصيدة، أيهما يشبهك أكثر؟
الرتبة مسؤولية أعتز بها، والقصيدة هوية لا أستطيع التخلي عنها، لكن إن كان لا بد من الاختيار، فالقصيدة هي الأقرب، لأنها تمثّلني حين أكون وحدي، حين لا أكون مطالبًا بأي دور سوى أن أكون نفسي.. القصيدة هي صوتي الذي لا يخضع للرتب ولا للظروف… هي الشيء الذي يبقى، حتى حين تنتهي كل المعارك.