
إثيوبيا .. عدوان على السودان ونيران عابرة للحدود
إثيوبيا .. عدوان على السودان ونيران عابرة للحدود
تقرير: مجدي العجب
في الوقت الذي تتكشف فيه خيوط حرب السودان يوماً بعد آخر، لم تعد الأصابع التي تعبث بأمن البلاد واستقرارها خفية أو عصية على الرصد. فكلما ظن السودانيون أن مؤامرة ما قد انكشفت، برزت أخرى أكثر وضوحاً وأشد خطراً، تؤكد أن هناك مشروعاً منظماً يستهدف الدولة السودانية ووحدتها الوطنية عبر أدوات متعددة وأذرع ممتدة في الإقليم. وتشير تطورات الأيام الأخيرة، بحسب مصادر ومراقبين، إلى استمرار الدور الذي تلعبه أبوظبي في إدارة حرب الاستنزاف ضد السودان، ليس فقط عبر الدعم المباشر لمليشيا الدعم السريع، وإنما عبر توظيف أطراف إقليمية لإبقاء نيران الصراع مشتعلة على أكثر من جبهة. ويأتي الحديث عن تحطم مروحية إثيوبية قرب الحدود السودانية الجنوبية، في ظروف غامضة، بينما كانت – وفق مصادر مطلعة – تستعد للمشاركة في عمليات تستهدف مناطق بالنيل الأزرق وتوفير غطاء جوي لقوات متحالفة مع الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال، ليطرح أسئلة ثقيلة حول طبيعة الأدوار التي باتت تؤديها بعض دول الجوار في هذه الحرب.
وفي المقابل، تتصدع الجبهة التي راهن عليها عبد العزيز الحلو طويلاً. فداخل معسكرات التدريب نفسها، ارتفعت أصوات أبناء جبال النوبة احتجاجاً على تحويلهم إلى وقود لمعركة لا يرون أنها تمثل قضاياهم أو تطلعاتهم. المشهد الاحتجاجي الذي واجه به المستجدون الحلو لم يكن مجرد واقعة عابرة داخل معسكر مغلق، بل بدا رسالة سياسية وأخلاقية عميقة، مفادها أن أبناء المنطقة باتوا أكثر إدراكاً لحقيقة المعركة، وأكثر رفضاً للزج بهم في حرب تخدم أجندات خارجية وتحالفات مشبوهة. فإذا كانت المروحية الإثيوبية المتحطمة تمثل شاهداً على اتساع دائرة التدخلات الإقليمية في الحرب السودانية، فإن غضب أبناء جبال النوبة داخل معسكرات الحلو يمثل شاهداً آخر على سقوط الخطاب الذي حاول تسويق هذه الحرب باعتبارها معركة من أجل الهامش أو الحقوق. وبين الشاهدين تتضح الصورة أكثر: مشروع تخريب السودان لم يعد يجد الحاضنة التي كان يعول عليها، فيما تتزايد المؤشرات على أن كثيراً من الذين دُفع بهم إلى ساحات القتال بدأوا يرفضون أداء دور المرتزقة في حرب تستهدف وطنهم ومستقبلهم.
ومن قلب هذه التطورات المتسارعة، يبرز سؤال جوهري: إلى متى تستمر الأطراف الداعمة للحرب في استخدام الجغرافيا الإقليمية والمجموعات المسلحة لإطالة أمد النزاع؟ وإلى أي مدى تستطيع تلك المشاريع الصمود أمام تنامي الرفض الشعبي داخل البيئات التي كانت تُعد حواضنها التقليدية؟ سؤال تفرضه حادثة المروحية الغامضة، ويؤكده غضب أبناء جبال النوبة الذين اختاروا الاحتجاج على حمل السلاح بدلاً من الانخراط في معركة يرون أنها لا تشبههم ولا تخدم قضاياهم.
إثيوبيا صمت واعتداء
وكشفت مصادر موثوقة عن تحطم مروحية إثيوبية بالقرب من مدينة ملكال، عاصمة ولاية أعالي النيل بجمهورية جنوب السودان، في ظروف لا تزال غامضة حتى الآن. وأفادت المصادر (ألوان) بأن المروحية كانت في حالة استعداد لتنفيذ هجمات على مناطق بإقليم النيل الأزرق، إلى جانب توفير غطاء جوي لمتحرك يتبع لمليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال جناح عبد العزيز الحلو، قبل أن تتحطم في منطقة أعالي النيل القريبة من الحدود الإثيوبية. وبحسب ذات المصادر، فإن الحادثة قوبلت بصمت رسمي من الجانبين، حيث رفضت حكومة جنوب السودان التعليق، فيما التزمت السلطات الإثيوبية الصمت التام، مع توجيهات بعدم تداول تفاصيل الحادثة داخل البلدين.
توترات بسبب الحلو
وأثار المتمرد عبد العزيز الحلو، داخل أحد معسكرات التدريب، حالةً من التوتر والغضب، بعدما تحوّل اللقاء إلى مشهد احتجاجي غير متوقع من قبل المستجدين. وبحسب مصادر ميدانية تحدثت لـ(ألوان)، حاول الحلو خلال الزيارة إظهار تماسك قواته ورفع الروح المعنوية، عبر خطاب ركّز فيه على الصمود والانضباط وأهمية المعركة في مناطق كردفان ودارفور. غير أن الأجواء سرعان ما تغيّرت عندما نفّذ عدد من المستجدين مشهداً تمثيلياً جنائزياً، حملوا خلاله رفاقهم في تعبير احتجاجي على الدفع بأبناء جبال النوبة إلى جبهات قتال لا تخدم قضاياهم، إلى جانب ارتكاب الحلو انتهاكات بحق الأطورو. وأفادت المصادر أن الحلو غادر المعسكر غاضباً عقب الواقعة، متوعداً باتخاذ إجراءات صارمة بحق المشاركين، شملت التهديد بالسجن وإطالة فترة التدريب لفرض مزيد من الضبط والربط داخل المعسكرات.
أبوظبي تقود إثيوبيا
وقال الأكاديمي والمحلل السياسي دكتور محمد تورشين إن المؤشرات المتواترة حول تورط أطراف إقليمية في دعم المجموعات المسلحة التي تقاتل الدولة السودانية تكشف عن مستوى خطير من التدخل في الشؤون الداخلية للسودان، محذراً من أن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلى إطالة أمد الحرب فحسب، بل سيهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها. وأضاف تورشين في حديث لـ”ألوان” أن أي دور يُنسب إلى أبوظبي في تغذية الصراع أو توظيف أطراف إقليمية، بما في ذلك إثيوبيا، يمثل مقامرة سياسية وأمنية قصيرة النظر، لأن الحروب لا تبقى داخل الحدود التي تُشعل فيها. مشيراً إلى أن من يراهنون على إضعاف السودان عبر المليشيات والجماعات المسلحة يتجاهلون حقيقة أن الفوضى العابرة للحدود سرعان ما ترتد على صانعيها وداعميها.
وأكد أن إثيوبيا تواجه بالفعل تحديات داخلية معقدة وتوترات متعددة، وأن الانخراط في أي مشروع يستهدف زعزعة استقرار السودان لن يوفر لها الأمن، بل قد يفتح عليها أبواب أزمات جديدة. وزاد في قوله لنا إن النار التي تُشعل اليوم ضد السودان لن تتوقف عند حدوده، بل قد تمتد إلى الإقليم كله، وفي مقدمة ذلك إثيوبيا نفسها، فالتاريخ يؤكد أن الدول التي تسمح بتحويل أراضيها أو قدراتها إلى أدوات لإشعال الحروب في الجوار كثيراً ما تجد نفسها لاحقاً في قلب تلك الحرائق.
الاستمرار في العدوان
فيما يرى الصحافي والمحلل السياسي عبد العظيم صالح أن ما يجري في السودان لم يعد مجرد صراع داخلي، بل أصبح ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية وتنفيذ أجندات تستهدف إضعاف الدولة السودانية وإطالة أمد الحرب. ويقول إن التقارير التي تتحدث عن أدوار خارجية في دعم المجموعات المسلحة تكشف أن هناك جهات لا يهمها استقرار السودان بقدر ما يهمها إبقاؤه غارقاً في النزاع والاستنزاف. ويضيف في تصريح لـ”ألوان” أن أبوظبي، وفقاً لما يرد في كثير من التقارير المتداولة، تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن استمرار حالة الفوضى، إذ ثبت دعمها لمليشيا الجنجويد واستخدام عدد من دول الجوار، وعلى رأسها إثيوبيا، ضد مؤسسات الدولة السودانية، مشيراً إلى أن استخدام دول الجوار كمنصات أو ممرات لتنفيذ هذه السياسات لن يحقق أمناً دائماً لأحد.
ويؤكد أن إثيوبيا مطالبة بإدراك أن استقرار السودان جزء من استقرارها هي، وأن أي انخراط في مشاريع تستهدف الأمن السوداني سيحمل تداعيات تتجاوز الحدود. وختم حديثه لنا قائلاً: إن إشعال الحرائق في السودان قد يبدو للبعض مكسباً مؤقتاً، لكنه في الواقع يفتح أبواباً لموجات من عدم الاستقرار قد تمتد إلى المنطقة بأسرها، وعندها لن يكون بمقدور أي طرف الادعاء بأنه بمنأى عن نتائج ما زرعه بيده.
وعي المجتمع السوداني
وما بين مروحيةٍ سقطت في ظروف غامضة قرب الحدود، ومعسكرٍ ضاق بأبنائه الرافضين أن يكونوا وقوداً لحرب الآخرين، تتكشف فصول جديدة من المشهد السوداني والحرب ضد الدولة التي تحركها أبوظبي وتستخدم فيها دول الجوار، وإثيوبيا منها، متخذة من الجنجويد معولاً لهدم السودان وتخريبه. ولكن كلما اتسعت دوائر التدخل الخارجي، ازداد انكشاف حقيقة الصراع أمام الذين يراد لهم أن يدفعوا ثمنه من دمائهم ومستقبلهم.
وإذا كانت بعض الأطراف لا تزال تراهن على إضعاف السودان عبر المليشيات والتحالفات العابرة للحدود، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى أن هذا الرهان يواجه تصدعات متزايدة، ليس فقط بفعل صمود الدولة، وإنما أيضاً بسبب تنامي الوعي داخل المجتمعات التي حاولت تلك المشاريع استغلالها وتوظيف مظالمها لخدمة أجندات لا تمت لقضاياها بصلة.
ويبقى الثابت أن استقرار السودان لن يتحقق عبر الطائرات التي تعبر الحدود خلسة، ولا عبر المعسكرات التي تُدفع إليها أجيال كاملة تحت شعارات مضللة، وإنما عبر إرادة السودانيين أنفسهم. أما الذين يظنون أن بإمكانهم إشعال الحرائق في السودان دون أن تصل ألسنة اللهب إلى محيطهم، فإن دروس المنطقة وتاريخها القريب تؤكد أن نار الفوضى لا تعترف بالحدود، وأن من يزرع أسباب الاضطراب في جواره قد يجد نفسه يوماً أول ضحاياها.