
حكومة الأمل .. عام من الصعاب والتحديات والإنجازات
حكومة الأمل .. عام من الصعاب والتحديات والإنجازات
تقرير: الهضيبي يس
قضت حكومة الأمل برئاسة رئيس الوزراء د. كامل إدريس عامها الأول عقب التشكيل الوزاري الذي جاء بحلول مطلع شهر يونيو من العام 2025م، الحكومة التي جاءت بعد مخاض عسير نتيجة للحرب التي اندلعت بين الجيش ومليشيا الدعم السريع بحلول منتصف شهر أبريل لعام 2023، ونتيجة لبعض التعديلات الدستورية التي أُجريت على الوثيقة الدستورية لعام 2019، حيث مُنحت بموجبها صلاحيات إدارة شؤون الجهاز التنفيذي لرئاسة الوزراء عدا وزارتي الدفاع والداخلية. ورغم ذلك، لم تخلُ إدارة دفة الحكومة من بعض السلبيات وسط جملة تحديات، فضلًا عن إيجابيات تُحسب في خانة تجويد الأداء وتحقيق عدة مكاسب. لذا تجدنا عكفنا على الوقوف على تقييم وتقويم مجمل الحقائب الوزارية التي تنضوي تحت عباءة حكومة (الأمل) مع استصحاب أبرز وأهم الإخفاقات والنجاحات وكذا التحديات.
فمن الملاحظ أن وزارة الدفاع قد شكّلت رأس الرمح في عملية إدارة شؤون الحرب منذ الوهلة الأولى، مرورًا بثلاث سنوات مضت من عمر النزاع المسلح بين الجيش والدعم السريع، فقد استطاعت خلال تلك الفترة تسخير المخزون العسكري والاستراتيجي في إدارة دفة الاقتتال، مما أسفر عنه تحرير العاصمة الخرطوم التي كانت واقعة تحت سيطرة عناصر الدعم السريع. ردًا على ذلك، تمّت الاستفادة من المخزون البشري رغم قلّته خلال العام الأول لحرب (أبريل)، بالتركيز على تنفيذ خطة التفكيك الداخلي للقوة الصلبة للدعم السريع، مما نتج عنه الانسحاب غربًا بحلول شهر مارس لعام 2025 من أحياء مدينة الخرطوم. بينما لم تقف وزارة الدفاع عند هذا الحد، بل سعت للاستفادة من حالة التطور المهول لتقنيات الحرب في العالم بدخول نظام الطائرات بدون طيار المسيّرات دائرة القتال، بفعل إبرام عدة اتفاقيات غالبًا ما يكون فيها التعاون مع بعض الدول في مثل هذه الحالات.
وعن شأن وزارة الداخلية التي بدأت في العودة بصورة تدريجية لعدد من المدن السودانية إثر غياب نتج عن اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع، فكان أبرز ملامح تلك العودة الانتشار الكثيف لعناصر وجنود وزارة الداخلية في معظم أحياء وأرجاء العاصمة الخرطوم، ولكن قطعًا لا يعني هذا اختفاء طابع الجريمة التي غالبًا ما تتم في أطراف مدينة الخرطوم والقرى الريفية التي هي خارج نطاق السيطرة الشرطية لوزارة الداخلية، مما يستدعي تكثيف حجم وجود الشرطة في المدن والأرياف مع استيعاب ما طال وزارة الداخلية من أضرار وإتلاف لمرافقها.
وهناك رأي عام يتشكل وسط المواطنين عن إخفاقات صاحبت وزارة المالية نتيجة لعدم القدرة حتى الآن على بسط سيطرتها على منافذ موارد الدولة بشكل كامل، مما انعكس على أمر غاية في الأهمية وهو معيشة السودانيين بارتفاع مستويات التضخم والمضي في تنفيذ سياسة ميزانية الطوارئ، وهو ما تسبب في إفقار مزيد من الأسر السودانية وخروج آلاف منها عن دائرة الإنتاج مثل الفلاحين وقطاع العمال، وهو ما أفقد رجال الأعمال والمستثمرين أي عملية تشجيعية للعودة والعمل في السودان ما بعد حرب 15 من شهر أبريل لعام 2023 حتى الآن، وهو ما يدعو آلية المجتمع لإعادة النظر في السياسات التي تعكف حكومة الأمل على تنفيذها.
بالمقابل، تُعد وزارة الخارجية التي عايشت تحديات أقل ما توصف بالجسيمة في توضيح مجريات ما يحدث من حرب للعالم إقليميًا ودوليًا حتى لحظة مجيء تشكيل حكومة الأمل، سيما وأن تأخر تعيين وزير الخارجية كاد أن يشكّل عائقًا جديدًا لفترة زمنية أمام إدارة العديد من الملفات التي تُعنى بها الوزارة. والآن وهي تقترب من مرور العام، فإن أبرز التحديات لا تكاد تبارح مكانها سوى أحداث اختراق على مستوى إعادة السودان لمنبر الاتحاد الأفريقي، وتعامل المجتمع الدولي بشكل جاد تجاه ما حدث من انتهاكات إنسانية من قبل الدعم السريع بحق السودانيين. وما يُحسب لصالح وزارة الخارجية تعزيز شراكتها مع بعض دول الجوار بصورة دبلوماسية مثل السعودية ومصر وليبيا وبعض بلدان منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
وعن ما يتصل بوزارة الإعلام فما زال البعض يرى أنها صاحبة الأداء المتواضع والنفس القصير مقارنة مع ما يُحاك ويُصنع من محتوى إعلامي تقوم بصناعته غرف الدعم السريع في إطار تعزيز صورتها الذهنية، بينما تبرر وزارة الإعلام بأنها صاحبة الإيراد الأقل في مقابل ما تعرضت له من دمار لمؤسساتها ونهب لمقتنيات الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون وتطبيق القوانين، زد على ذلك عدم وجود استراتيجية واضحة لمجابهة الخطاب الإعلامي المضاد.
بينما تُعد وزارة الاتصالات من أبرز وأهم القطاعات الحيوية التي سعت واجتهدت خلال فترة العام الماضي ضمن السياسات الكلية لحكومة الأمل من حيث إطلاق مجموعة من التطبيقات الذكية التقنية، منها إطلاق منصة “بلدنا” التي تُعنى بشأن استكمال المعاملات والإجراءات في إطار خطوة لتسهيل حركة العمل لأي مطلب، ولكن رغم ما سبق، لم تستفد بعد وبشكل أمثل من برامج تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحويل الدولة تقنيًا.
اقتصاديًا، يعوّل السودانيون على وزارة الزراعة نظرًا لما يتمتع به السودان من مساحات شاسعة وفدادين زراعية يُعوّل عليها العالم في توفير محاصيل الأمن الغذائي، ولكن نظرًا لشح التمويل وقصور بعض السياسات، لم تستطع وزارة الزراعة حتى الآن تحقيق ما هو مطلوب منها، حيث نفذت على مستوى زراعة المحصول الأشهر وصاحب الاكتفاء الذاتي فقط (2) مليون فدان، وسط خروج ما يعادل (6) ملايين فدان أخرى عن الزراعة بسبب عدة عوائق وقفت أمام الوزارة الأقدم في السودان من تدمير البنية التحتية وشح التمويل ونزوح الفلاحين نتيجة لوقع الحرب.
كذلك نجد أن وزارة المعادن قد شهدت تنافسًا كبيرًا حول كرسي الوزارة ما بين حركات الكفاح المسلح والجهاز التنفيذي ممثلًا في مجلس الوزراء حول تعيين شخصية الوزير وآلية ملف الوزارة، وكيف لا، وهي صاحبة أغنى وزارات حكومة الأمل نظرًا لما ظلت توفره من إيرادات خاصة بالخزينة على مستوى معدن الذهب. سيما وأنه خلال العام 2025 قامت بتوفير ما يفوق 64٪ من إنتاج السودان من الذهب، بواقع فاق (5) مليارات دولار سنويًا، وهو ما عزز سياسة الدولة الاقتصادية في توفير جملة من الالتزامات الأساسية بصورة اقتصادية.
أيضًا تُعد وزارة الصحة صاحبة الإسهام الأكبر خلال فترة اندلاع الحرب في عمر الثلاث سنوات الماضية، ولكن عقب إعلان تكوين حكومة الأمل مضت الوزارة بذات الوتيرة، حيث عملت على تشغيل 56 مرفقًا صحيًا بولاية الخرطوم عقب تحرير المدينة الأشهر بالبلاد، فضلًا عن إعلان حالة الطوارئ لمجابهة الحميات التي تمددت بالسودان من أمراض حمى الضنك والكوليرا، زد على ذلك استيعاب عدة كوادر للعمل في الحقل الطبي، ولكن يظل التحدي متصلًا بازدياد تأثيرات الحرب على قطاع الصحة وهو الأهم من حيث نقص الموارد والآليات الطبية.
وعن ما يتصل بوزارة التعليم فإنها حتى الآن لم تستطع تطبيق أي محتوى تعليمي يتصل بشأن التربية الوطنية، متمسكة بحجة ما تعرضت له من خروج شبه عن دائرة الفعل الاجتماعي والاقتصادي والتربوي، مما ولد دمارًا طال نحو 33 ألف مؤسسة تعليمية حكومية بولاية الخرطوم وحدها، ناهيك عن بقية ولايات السودان الأخرى جراء الحرب، وما بعد حكومة الأمل ما يزال قطاع التعليم يئن ويشكو من قلة الموارد والمرتبات، ما تسبب في فراغ على مستوى المعلمين وظهور مدارس القطاع الخاص صاحبة القيمة المالية الكبيرة.
وفيما يتعلق بوزارة الصناعة فلم تستطع، على ما يبدو، حتى الآن تجاوز إعادة تشغيل ما يقارب 15 ألف مصنع طالها الدمار بالعاصمة الخرطوم، وتقديم صيغ تشجيعية ومحفزات كافية لعودة رؤوس الأموال وسماع أصوات دوران الماكينات من جديد، إلا البسيط منها في غضون فترة العام التي قضتها حكومة الأمل بحثًا عن المساعدات الإنسانية لسد حاجة المعسكرات التي تكدست بالمواطنين نتيجة للحرب بالولاية الشمالية وإقليم النيل الأزرق.
وعن وزارة التعليم العالي التي ظلت منذ الشهور الأولى لاندلاع الحرب، وتفاديًا لعدم الانقطاع، فقد اتجهت إلى استخدام أسلوب التدريس عبر نظام التطبيقات العلمية، ولكن للأسف الشديد لم تخلق أي نهضة خلال العام الذي مضى من عمر حكومة الأمل حيث لم تعاود الجامعات الحكومية، خاصة الأساسية منها، فتح أبوابها أمام الطلاب لتلقي التعليم وتعويض ما فاتهم من سنوات، مبررة ذلك بدمار مقرات الجامعات مثل الخرطوم والسودان والجزيرة، مما انعكس على حياة الطلاب بطابع نفسي واجتماعي، ولجوء الأغلب منهم للالتحاق بالدراسة بالخارج رغم مضاعفة التكاليف.
علاوة على ما سبق، فإن وزارة شؤون مجلس الوزراء هي الأخرى كان يُعوّل عليها السودانيون بإحداث إصلاحات جوهرية على صعيد ملف الخدمة المدنية بالدولة، ولكن سرعان ما تدهورت الأمور لتشهد الوزارة، في ظرف لم يتجاوز (9) أشهر فقط، فراغًا وزاريًا نتيجة لقرار رئيس الوزراء بإعفاء وزير شؤون مجلس الوزراء من منصبه، ليخلق بعدها ما وُصف بفراغ دستوري لم يُملأ حتى تاريخ اللحظة.
هذا ولم تعمل، وفقًا لوصف الكثيرين من مراقبين للشأن العام في السودان، وزارة الشباب والرياضة على إحداث حالة التفاعل الكبير لتحريك ساكن قطاع الشباب الذي يكاد يشكل 60٪ من نسبة الكتلة السكانية في السودان، خاصة على صعيد عملية إعادة الإعمار وتبني مشاريع الشباب التي غالبًا ما تقف أمامها عقبة التمويل. وعن ما يتصل بالرياضة، فقد استطاعت الوزارة مؤخرًا تنفيذ برنامج إطلاق دوري النخبة بالعاصمة الخرطوم عقب توقف دام نحو ثلاث سنوات، مما حرك شيئًا من حالة الركود التي عاشتها الوزارة.
بينما غابت وزارة الحكم اللامركزي والتنمية الريفية عن المشهد بشكل يخلق جملة من الاستفهامات حول مهام وعمل تلك الوزارة، خاصة وأنها لطالما أوكلت إليها مهمة تقييم أداء حكومات الأقاليم والولايات والعمل على معالجة مواطن الخلل، خاصة تلك التي تتصل بنظام الحكم، ولكن يبدو أن مؤثرات الحرب قد طغت على الوزارة الأقدم، مما عزز فكرة الخروج عن دائرة الفعل.
وعلى مستوى وزارة النقل التي تُعنى بحركة النقل بالبلاد قاريًا وداخليًا، فقد حالت الحرب دون تنفيذ أي مشروع من مشاريعها سواء بشأن رصف الطرق أو صيانة العبارات والسفن السودانية وخطوط الطيران، بخلاف التنسيق المسبق مع هيئة الطيران المدني والقدرة على تشغيل مطار الخرطوم الدولي إثر توقف دام ثلاث سنوات بسبب الحرب، ولكن دونما ذلك نجد أن وزارة النقل لم تبرح مكانها على صعيد حكومة الأمل في البحث عن تمويل وتوقيع عدة اتفاقيات لشراكات داخلية وخارجية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
وتُعد وزارة التنمية الاجتماعية، التي تقوم بمهام تخفيف وطأة الفقر ورفع كاهل المعاناة عن المواطنين اجتماعيًا، ما تزال تواجه تحديات أساسيات الفقر نفسه، بل إن عملها يقتصر في حدود تقديم المساعدات الإنسانية والقوافل لمعسكرات النازحين لمن طالتهم نيران الحرب، ما حدا بالوزارة إعلان إطلاق صندوق لتخفيف الأعباء المعيشية الواقعة على عشرات الآلاف من المواطنين السودانيين وتنفيذ عدة مشاريع إنتاجية في القريب العاجل وفقًا لبرنامج السياسات الكلية لحكومة الأمل.
ويشير الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد محي الدين إلى أن هناك جملة تحديات مرت على حكومة رئيس الوزراء د. كامل إدريس، وهو ما تسبب في تعدد محتويات الصعاب وعدم القدرة على إنجاز عدة برامج ومشاريع حال التمويل دون تنفيذها، ولكن علينا أيضًا عدم التقاعس، إذ يكاد من مبررات الإنجازات العزم على اتخاذ قرار تكوين الحكومة نفسه، وفقًا لواقع قانوني وسياسي جديد.
ويضيف محي الدين أن بقدر التقييم الذي يرجح كفة الإخفاقات ناحية الحكومة، فإن اتخاذ العودة إلى العاصمة الخرطوم والعمل وسط المواطنين السودانيين تأكيد لعامل أن الحياة عادت بصورة تدريجية، فضلًا عن وجود دوران وتشغيل بعض المشاريع واتخاذ مجموعة قرارات من المتوقع أن تأتي أُكلها في القريب العاجل على مستوى الاقتصاد ومعيشة المواطنين، ويكاد من أهم القضايا إجازة موازنة الدولة لعام 2026، علاوة على زراعة (2) مليون فدان زراعي من المساحات الزراعية لمحصول القمح، زيادة عن إطلاق مشروع الإصلاحات الكلية للخدمة المدنية وخطة (السلام) وفقًا لرؤية استراتيجية.
وزاد: وعلى صعيد التوقعات المستقبلية لحكومة الأمل وهي تدخل عامها الثاني، إعادة النظر في النظام الاقتصادي والمصرفي، كذلك مضاعفة حجم الاهتمام بانسياب السلع الأساسية، وقطعًا ارتباط أي انتصارات عسكرية بتطور الوضع السياسي والاجتماعي للدولة، فقط نحن نحتاج لتعزيز دور العلاقات الخارجية والدبلوماسية السودانية في ظل تعدد الأقطاب والمحاور والمصالح ومفاهيم المكاسب إقليميًا ودوليًا بما يحقق مصالح السودان ويضعه في المكان الصحيح.