
من الفاتيكان إلى أنقرة .. السودان يعزز حضوره الدولي ويطرح رؤية السلام
جولة دبلوماسية مهمة لرئيس الوزراء
من الفاتيكان إلى أنقرة .. السودان يعزز حضوره الدولي ويطرح رؤية السلام
تقرير: ألوان
في سياق تحركات دبلوماسية مكثفة تهدف إلى إعادة طرح القضية السودانية على الساحة الدولية، جاءت جولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس إلى الفاتيكان وبريطانيا وتركيا كخطوة استراتيجية لتعزيز فرص السلام وكسب التأييد الدولي. حمل الوفد السوداني خلال هذه الجولة مبادرة سلام شاملة، ساعياً إلى حشد الدعم السياسي والاقتصادي، وتوضيح تعقيدات المشهد الداخلي، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالاستقرار والبناء الوطني. وقد عكست الزيارة اهتماماً دولياً متنامياً بالسودان، وتفاعلاً ملحوظاً من مختلف الجهات الرسمية والشعبية، بما يعزز آمال تحقيق اختراق في ملف السلام والتنمية خلال المرحلة المقبلة.
وأكد رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس أن الجولة الخارجية التي شملت الفاتيكان وبريطانيا وتركيا حققت نتائج مهمة، مشيراً إلى أن القضية السودانية وجدت تعاطفاً دولياً واضحاً، وأن مبادرة السلام التي طرحها الوفد السوداني حظيت باهتمام وتفاعل كبيرين. وأوضح إدريس، في مؤتمر صحفي عقب عودته إلى الخرطوم، أن الجولة استهدفت وضع السودان في قلب الاهتمام الدولي، واعتبرها نقلة نوعية في مسار التعاطي الخارجي مع تطورات الأوضاع في البلاد. وبيّن أن الزيارة شملت ثلاث محطات وصفها بالمهمة، حيث جرى خلالها عرض رؤية السودان للسلام، وبحث سبل دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
في المحطة الأولى، زار الوفد الفاتيكان، حيث التقى قداسة البابا ليو الرابع عشر، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين، بينهم أمين السر ووزير الخارجية. وأكد رئيس الوزراء أن اللقاءات اتسمت بالإيجابية، وأن الوفد لمس تفهماً عميقاً من قبل البابا لقضايا السودان واحتياجات شعبه، خاصة فيما يتعلق بتحقيق السلام والاستقرار. كما أعرب عن تقديره لمواقف الفاتيكان الداعمة، والتي تعكس اهتماماً أخلاقياً وإنسانياً بالقضية السودانية.
أما في بريطانيا، فقد أشار إدريس إلى أن الزيارة جاءت بعد فترة من انقطاع التواصل، لكنها شهدت استقبالاً حافلاً وترحيباً كبيراً. ولم تقتصر اللقاءات على الجانب الرسمي، بل امتدت لتشمل مؤسسات أكاديمية ومنظمات مجتمع مدني، في خطوة هدفت إلى توسيع دائرة الحوار حول السودان.
وشهدت الزيارة تفاعلاً ملحوظاً من الجالية السودانية في لندن ومدن أخرى، حيث نظمت فعاليات متعددة دعماً لمبادرة السلام. كما احتضنت جامعتا أكسفورد وكامبريدج جلسات مهمة تم خلالها عرض المبادرة ومناقشة أبعادها، وهو ما اعتبره رئيس الوزراء مؤشراً على نجاح التحرك الدبلوماسي في الوصول إلى مراكز التأثير الفكري والأكاديمي.
وفي المحطة الثالثة، تركيا، وصف إدريس نتائج الزيارة بالإيجابية، مشيراً إلى أنها جاءت في إطار اجتماعات اللجنة الاقتصادية العليا المشتركة. وكشف عن لقاءات رفيعة المستوى، أبرزها مع الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث تم بحث ملفات التعاون الثنائي، والتوصل إلى تفاهمات بشأن مشاريع حيوية.
وأوضح أن المباحثات تناولت أيضاً قضايا اقتصادية مهمة، من بينها ملف الديون وجدولتها والفوائد المرتبطة بها، مؤكداً تحقيق تقدم في هذا الجانب عبر تفاهمات مشتركة. كما أشار إلى الاتفاق على آلية فعالة لتعزيز التواصل والتعاون بين البلدين.
وأكد رئيس الوزراء أن الدولة السودانية بحاجة إلى الصبر والحكمة لتحقيق سلام عادل، مشدداً على أن العدالة الانتقالية لا تعني الإفلات من العقاب، بل يجب أن تتكامل مع جهود الاستشفاء الوطني وتعزيز التماسك الاجتماعي. وأضاف أن نتائج الجولة ستنعكس على تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية ومعاش المواطنين خلال الفترة المقبلة.
من جانبه، وصف وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة خالد الإعيسر الجولة بأنها رحلة عمل ناجحة ومطولة، مؤكداً أنها جاءت في إطار جهود السودان لتكثيف تحركاته الدبلوماسية على المستويين الإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن المحور الأساسي للجولة كان عرض مبادرة السلام، والتي حظيت بتفاعل وتعاطف كبيرين، خاصة في الفاتيكان والأوساط الأكاديمية البريطانية ومنظمات المجتمع المدني. واعتبر أن الزيارة تمثل محطة تاريخية في مسار التعاطي الدولي مع السودان.
وأضاف الإعيسر أن السودان يواجه تحديات تتعلق بترويج معلومات مضللة وأجندات خارجية، مما يستدعي تكثيف الجهود لإيصال الصورة الحقيقية للأوضاع في البلاد إلى المجتمع الدولي. كما حذر من وجود حملات إلكترونية تستهدف إضعاف التماسك الوطني.
وأكد أن الوفد السوداني كان متنوعاً ويعكس توجه حكومة الأمل نحو بناء دولة جديدة، لافتاً إلى أن النقاشات التي جرت خلال الجولة شملت مجالات متعددة، من بينها السياسة والاقتصاد والثقافة.
ويرى الخبير في العلاقات الدولية أحمد الطاهر أن الجولة تمثل تحركاً دبلوماسياً مهماً في توقيت بالغ الحساسية، حيث يسعى السودان إلى إعادة تموضعه على الساحة الدولية بعد فترة من التراجع في التواصل الخارجي. ويشير أحمد إلى أن اختيار محطات مثل الفاتيكان وبريطانيا وتركيا يعكس فهماً لطبيعة مراكز التأثير، سواء من الناحية الرمزية أو السياسية أو الاقتصادية.
ويؤكد الخبير أن كسب التعاطف الدولي خطوة أولى مهمة، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية عبر دعم سياسي واقتصادي مستدام، مشدداً على أن نجاح مبادرة السلام مرهون بمدى توافقها مع الداخل السوداني وقدرتها على معالجة جذور الأزمة.
ولفت أحمد إلى أن الانفتاح على المؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني يمثل توجهاً حديثاً في الدبلوماسية، يهدف إلى التأثير في الرأي العام العالمي، وليس فقط صناع القرار. منوها إلى أن الجولة يمكن أن تشكل بداية لمرحلة جديدة في العلاقات الخارجية للسودان، إذا ما تم البناء على نتائجها ببرامج تنفيذية واضحة ومتابعة دبلوماسية مستمرة.