
الكاميرا الجارحة .. الوزير الجاسوس
*الكاميرا الجارحة*
من مشكلات دراسة الفلسفة في المقررات الجامعية أن الدراس يبدأ دراسته بالفلسفة اليونانية التي تبدو الأفكار الابتدارية فيها ساذجة وفي كثير من الأحيان مملة إلى أن تطل شخصية الفيلسوف أفلاطون وأرسطو، هذا العقل الإنساني الضخم في تاريخ الأفكار. ولأن أستاذنا كان يعلم هذا الملل الأكاديمي فقد كان يقدم لنا في آخر كل محاضرة حكاية ذات بُعد فلسفي أو فكري أو سياسي ويطلب من في قاعة البحث كتابة تعليقات قصيرة، كان يناقشها بحذق واهتمام وكانت تلك الحكايات تثير في قريحتنا الكثير من التساؤلات المشروعة وغير المشروعة ، وأذكر أنه في نهاية إحدى المحاضرات حكى لنا أقصوصة ذات بُعد سياسي تنتظم كل العالم العربي والإسلامي.
حكى بطريقة شائقة بأن مخابرات إحدى الممالك اكتشفت أن الوزير الأول المقرب للسلطان كان يعمل جاسوساً لدولة معادية مجاورة ، وعندما تكشفت معالم الجريمة أخَطرَ صاحب البريد وكان هذا مسمى رجل التخابر المعتمد لدى البلاط.
وقع الخبر على الملك وقوع الصاعقة وبدأ معه رجل المخابرات في وضع التدابير بالمحكمة والإعدام بتهمة الخيانة العظمى، بعد أن قدم كل الوثائق الدامغة ضد الوزير الأول، بيد أن الملك كان راشداً وذكياً فقد تمالك نفسه وخرج من هول الكارثة، وطلب من رجل المخابرات ناصحاً أن يكتم الخبر حتى عن نفسه، وأن تظل علاقته بالوزير الأول عادية لا شكوك فيها ولا ريبة.
وفي إحدي المساءات أقام الملك مأدبة لشخصين له ولوزيره وبدأ معه أنساً لطيفاً كعادتهم الأولى وبعد أن تَبسَط معه وتجاذبا أطراف الحديث والمُلح والطرائف واستملك ثقته قال له بصوت هامس: عندي لك سرٌ خطير لن يعلمه أحد غيرك أريد أن أصارحك به وهو أننا نوينا أن نُهاجم هؤلاء الأعداء في دولتهم المجاورة على حين غرة عبر الممر الضيق الذي يمر عبر الجبلين ويفضي إلى عاصمتهم الحصينة. وكان قد حدد له المكان والزمان.
ودعه الملك حتى بوابة القصر وأوصاه بالكتمان فقبل الوزير الخائن يد الملك وانصرف وهو يكاد يطير من الفرح بسبب هذه الصفقة التي تقربه من سادته مكانة وذهباً ووعداً بالمُلك الزائف. خرج الوزير الأول الخائن وكتب رسالة مفصلة لخطة الغزو ومكانه وزمانه وكان التراسل في ذلك الزمان يتم عبر الحمام الزاجل، وعندما وصلت الرسالة للملك العدو جمع أركان حربه ومستشاريه مُصدقاً ما ورد في الرسالة وزحف نحو الممر الضيق بين الجبلين انتظاراً للعدو ليفاجأه بضربة قاصمة، هنا قرر الملك أن يتحرك سراً بطريق خفي وغير معلوم لأعداءه، وكانت فجيعة خصمه مدوية حينما اقتحم عاصمة خصمه وهدم قلاعها واستولى على مداخلها ومخارجها وغنم الكثير وزحف نحو جيش خصمه المنتظر فأباده عن بكرة أبيه. وبعد مُضي ثلاثة أيام من الفرح والاستباحة، نادى على قائد جيشه ومدير مخابراته صاحب البريد ووزيره الخائن وقال لهم بصوت ساخر ينفث غضباً وانتقاماً وثأراً: اعلموا أن أصدق الرسائل التي تصنع الانتصار هي تلك التي يحملها الوزير الخائن إلى أعداء بلاده.
وفي ثقتنا في ذكاء القارئ فإن نهاية الخائن والعميل معروفة.
وفي آخر المحاضرة خاطبنا أستاذنا قائلاً: اكتبوا لنا ما لا يتجاوز الخمسة أسطر عن المستفاد من هذه الحكاية وفي قاعة البحث القادمة سوف نُطالع المقولات التي تستحق المناقشة، واستخراج الدروس والعبر المستفادة.
وفي يوم المحاضرة الموعود كان أذكى تعليق ما كتبه زميلنا الفاتح في عبارة مختصرة مفادها: في ظني أنه لا فائدة من هذه الحكاية في الواقع السياسي العربي والإسلامي الراهن لأن الخائن ليس هو الوزير الأول بل هو الملك نفسه.
*حسين خوجلي*