
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (هذا الطريد….)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(هذا الطريد….)
وطريد الفردوس في رواية للحكيم هو رجل يولد ويشب وهو فوق السجادة، معتزلاً، ذاكراً، لا يعرف ما وراء الباب.
ثم يموت… وحين يذهب إلى الجنة -حسب تصور الحكيم- تراجع ملائكة الجنة الأسماء، ويخبرونه أن اسمه ليس لديهم، وأن عليه الاتجاه إلى الجانب الآخر!!
والمسكين يتجه إلى النار، وملائكة النار يخبرونه أن اسمه ليس لديهم…
والحل؟؟
الحل، قالوا، هو أن يعود إلى الدنيا، فالأعمال امتحان، ونجاح أو فشل، وأنه لم يدخل الامتحان أصلاً.
والرجل المذهول يجد نفسه في أحد شوارع القاهرة، مثل من كان في إغماءة واستيقظ.
والرجل يمشي مذهولاً وهو يردد كلمة: الفردوس… الفردوس.
وبعضهم يظن أنه يبحث عن بار «الفردوس»، ويدله عليه.
وعضلات الرجل تجعله يعمل في وظيفة فتوة البار.
والموس، التي كانت قديماً تستخدم لحلاقة الرؤوس، تصبح عنده سلاحاً يذبح الحلاقيم.
وزمان… والرجل، مثل من يستيقظ من النوم، تعود ذاكرته إليه، ويعود إلى القرية…
وإلى العبادة… عبادة من يعرف أطراف الدنيا هذه المرة…
والنسخة المجسدة من الرجل هذا هي الآن السودان.
السودان الذي ظل يعيش وهو يجهل العالم… العالم المتوحش، القاسي، المجنون…
والسودان هذا يلدغه العالم بالسم بعد السم.
…والسودان وجيرانه التسعة يلدغونه، لكن لم يحدث أن لدغ السودان بلداً من هذه البلاد…
…..
والآن يجد أهل الإحصاء في السودان سبعين حركة مسلحة، يحصونها بالاسم.
ولا أحد ممن يصنع هذه الحركات يطمع في حكم السودان، وما يريده هو ما تريده العصابات…
والسودان، منذ عام 1954، قبل استقلاله بعامين، يعرف التمرد، وينفرد بوجود دبابير التمرد، فلا دولة في الدول العربية تصاب بهذا الداء.
والحريق يتطور.
واللهم إنا نعوذ بك.
يبقى أن كل حركة من الحركات السبعين تسمي نفسها حركة تحرير السودان.
ويبقى أن كل حركة من هذه الحركات تظل تخفي مصادر تمويلها وتسليحها.
والسودان، لما كان فوق السجادة، حسب فهمه للدين، كان سالماً.
ولما عمل في بار الفردوس، أيام قحت، عرف الجوع والخوف والدعم وما فعل.
والسودان يتجه الآن إلى المرحلة الثالثة.
والمرحلة هذه لا نجاح لها إلا بأسلوب الفعل ورد الفعل.
والفعل هو أنه يُقسم إلى سبعين وثمانين وتسعين جهة… والعلاج هو وحدة هنا، ضد التشتت هناك.
لعله يدخل الجنة التي هي… وطن نظيف من الحروب…
……..
وعن صلة كل شيء في الحياة بكل شيء، يقدم ألماني فيلماً قديماً بديعاً.
وفيه:
موسيقار شاب يموت ويدخل الجنة.
وفي الفكر الهيليني أن الناس يدخلون الجنة حسب مواهبهم في الفن، والأدب، والابتكار.
والشاب يستقبله أهل الابتكار الذين سبقوه إلى هناك، ثم يطلبون منه أن يعزف بعض أعماله التي جاءت به.
والشاب يشرع في العزف… ويبتهجون، إلا واحداً منهم يبدو عليه الغضب.
ودقائق، والغاضب يصيح بالشاب:
أيها اللص، هذا الذي تقدمه هو عملي أنا.
والشاب يطلب من الغاضب أن يقدم للحضور عمله الذي يدافع عنه.
وهذا يعزف…
والشاب ينطلق ليبين:
هذه الفقرة سرقتها أنت من فلان، وهذه الفقرة من فلان…
وكلما أشار إلى أحد، صرخ الآخر يتهم الغاضب الأول بأنه لص.
والشاب لا يترك أحداً إلا وجعله يعزف، ثم يبين سرقاته من الآخرين.
الفيلم يقول إنه لا أحد ينفرد بابتكار شيء من الصفر، وإنما كل أحد يأخذ من كل أحد.
ومثلها الآن معالجة جمع الحركات، فالرفض الكامل لكل مطالب الحركات لا يقود إلا إلى تمسك هذه الحركات بما عندها من حق وباطل.
ليطل هنا السؤال المعضل:
السؤال عن تعرف الحق… ما هو؟
وحدوده ما هي؟
وتداخل حق هذا مع حق هذا…
و… و…
معضلات… لكن التعامل مع المعضلات أفضل من تركها تنمو، ولها فروع وأشواك.
