النيل يتراجع والقلق يتصاعد .. السودان أمام اختبار مائي حاسم

النيل يتراجع والقلق يتصاعد .. السودان أمام اختبار مائي حاسم

تقرير: مجدي العجب

في وقتٍ تتجه فيه أنظار المزارعين والجهات المختصة إلى تطورات الموسم الزراعي ومؤشرات فيضان النيل، يظل الموقف المائي أحد أهم المؤشرات الاستراتيجية التي تُبنى عليها خطط الزراعة وإدارة الموارد المائية في السودان. فالنيل، الذي يمثل شريان الحياة للبلاد، لا يقتصر دوره على توفير مياه الشرب والري، بل يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، ما يجعل أي تغير في إيراداته أو مناسيبه محل متابعة دقيقة من المؤسسات الفنية المختصة.
وتكتسب القراءات الهيدرولوجية أهمية مضاعفة خلال هذه الفترة من العام، التي تتزامن مع بدايات موسم الأمطار وارتفاع معدلات الجريان في حوض النيل، حيث تتداخل عوامل طبيعية وفنية وإقليمية في رسم المشهد المائي، بدءًا من كميات الأمطار في الهضبتين الإثيوبية والاستوائية، مرورًا بتشغيل السدود والخزانات، وانتهاءً بإدارة التصريفات بما يضمن تلبية احتياجات المواطنين والقطاع الزراعي، مع الحفاظ على سلامة المنشآت المائية.
وفي هذا السياق، حملت أحدث المؤشرات الصادرة عن الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري رسائل طمأنة بشأن استقرار الوضع المائي، رغم تسجيل انخفاض مؤقت في مناسيب النيل بعدد من المحطات نتيجة تراجع تصريفات النيل الأزرق خلال أيام محدودة. وأكدت الوزارة أن هذا الانخفاض يخضع للمعالجات التشغيلية المعتادة، ولا يمثل تهديدًا للإمدادات المائية أو للموسم الزراعي، في ظل استمرار الإيرادات فوق متوسطاتها التاريخية، وتفعيل آليات المتابعة الفنية على مدار الساعة لضمان استقرار الموارد المائية وحسن إدارتها.

 

انحسار النيل

وفي تطور أثار اهتمامًا واسعًا، كشفت صور فضائية حديثة حللتها وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة عن انحسار ملحوظ في مناسيب مياه النيل بمنطقة الخرطوم، في مشهد يعكس حجم التغيرات التي طرأت على مجرى النهر خلال الأيام الماضية. وأدى هذا التراجع إلى خروج محطة مياه الصالحة، جنوبي أم درمان، عن الخدمة، الأمر الذي فرض تحديات إضافية على إمدادات مياه الشرب، ودفع حكومة ولاية الخرطوم إلى الإعلان عن تدابير عاجلة لمعالجة الأزمة والحد من آثارها على المواطنين، وسط متابعة مستمرة لتطورات الموقف المائي وأسبابه الفنية.

هل يواجه السودان أزمة عطش؟

ولم يعد انحسار مياه نهر النيل في السودان مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح جرس إنذار يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول مستقبل الأمن المائي في البلاد. فالمشاهد الأخيرة لتراجع مناسيب النهر وخروج بعض محطات المياه عن الخدمة تكشف عن تحديات متزايدة، تتداخل فيها عوامل الطبيعة مع المتغيرات المناخية والسياسات الإقليمية. وبين شبح الجفاف الذي يهدد الزراعة ومصادر الشرب، واحتمالات الفيضانات المفاجئة الناتجة عن اضطراب المناخ، يجد السودان نفسه أمام معادلة مائية معقدة. ويبرز سد النهضة الإثيوبي في قلب النقاش، حيث تتصاعد المخاوف من أن تتحول قضية المياه إلى ورقة ضغط سياسية، في ظل غياب اتفاق شامل يضمن حقوق دول حوض النيل. فهل يشهد السودان أزمة عطش قادمة؟ أم أن الحلول العلمية والتعاون الإقليمي قادران على حماية شريان الحياة؟ بين الواقع والمخاوف، يبقى النيل عنواناً لمستقبل السودان.

 

انخفاض مؤقت

وأكدت الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري استقرار الموقف المائي بالبلاد، مع تسجيل إيرادات أعلى من المتوسط في النيل الأبيض والأزرق حتى منتصف يوليو الجاري. وقالت الإدارة في بيان إن أحدث القراءات الفنية تشير إلى أن إيراد النيل الأبيض ومناسيبه أعلى من المتوسط العام ومستويات العام السابق.
كما سجل خزان جبل أولياء استقراراً إيجابياً يفوق متوسطات الأعوام السابقة، فيما تشهد جملة إيراد النيل الأزرق مستويات مائية جيدة تتجاوز متوسط العام الماضي.
ورصد البيان انخفاضاً مؤقتاً في الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو 2026م، من 207 إلى 129 مليون متر مكعب يومياً، بنسبة نقص بلغت 76 مليون متر مكعب.
وأوضح البيان أن ذلك انعكس على التصريف خلف خزان الروصيرص بانخفاض قدره 100 مليون متر مكعب يومياً، وخلف خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو.
وأدى الانخفاض إلى هبوط مؤقت في مناسيب النيل بعدد من المحطات، حيث سجلت الروصيرص 1.50 متر، وود العيس 1.70 متر، وود مدني 1.60 متر، والخرطوم 1.08 متر، والحلفايا 94 سم، وشندي 54 سم.
وأشارت الإدارة إلى أن المناسيب بالمناطق الواقعة شمال الخرطوم لا تزال أعلى من مستوياتها المسجلة خلال العام السابق حتى 15 يوليو 2026م.
وأرجعت الإدارة الانخفاض المؤقت إلى تراجع وارد النيل الأزرق نتيجة انخفاض تصريف سد النهضة الإثيوبي خلال تلك الفترة، مؤكدة أن تغير هيدرولوجيا النهر تتم معالجته عبر التشغيل الفني للخزانات لضمان استقرار الإمدادات.
وأعلنت عن تكوين لجنة عليا دائمة بإشراف وزير الزراعة والري البروفيسور عصمت قرشي، ووكيل الوزارة المهندس ضو البيت عبد الرحمن، وبرئاسة رئيس الجهاز الفني للموارد المائية، لمتابعة الموقف المائي على مدار الساعة واتخاذ القرارات التشغيلية المناسبة.
وطمأنت الوزارة المواطنين والمزارعين بأن تشغيل الخزانات يتم وفق أسس علمية دقيقة تكفل سلامة المنشآت وتضمن تأمين الاحتياجات المائية للمواطنين والقطاع الزراعي، بما يدعم استقرار الإمداد المائي ونجاح الموسم الزراعي.

سياسة مائية لحماية الحقوق

ويقول الاكاديمي الدكتور الرشيد محمد إبراهيم أن انحسار مياه النيل في السودان يمثل مؤشراً خطيراً على هشاشة الوضع المائي، ويؤكد أن القضية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أزمة موسمية مرتبطة بتراجع الأمطار فقط، بل باعتبارها ملفاً استراتيجياً يرتبط بالأمن القومي ومستقبل التنمية في البلاد.
ويقول في حديثه ل”ألوان” إن السودان يقف أمام تحديات متشابكة؛ فالتغيرات المناخية أصبحت عاملاً ضاغطاً من خلال موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، في وقت قد تؤدي فيه الاضطرابات المناخية إلى فيضانات مفاجئة يصعب التحكم في آثارها. وأضاف أن أي إدارة منفردة لمياه النيل من دول المنبع دون تنسيق واتفاقات ملزمة يمكن أن تخلق واقعاً جديداً يهدد مصالح دولتي المصب. وأشار إلى أن سد النهضة الإثيوبي ليس مجرد مشروع لتوليد الطاقة، بل أصبح جزءاً من معادلة سياسية واقتصادية إقليمية، ما يتطلب من السودان انتهاج سياسة مائية واضحة تقوم على حماية حقوقه، وتعزيز التعاون مع دول الحوض، وتطوير البنية التحتية للمياه حتى لا يصبح مستقبل ملايين السودانيين رهيناً للتقلبات الطبيعية أو القرارات السياسية الخارجية.

قضية سيادة

فيما يرى الخبير والمختص بشؤون المنطقة الشريف الأمين الهندي أن قضية انحسار مياه النيل في السودان أصبحت واحدة من أخطر التحديات التي تواجه الدولة، لأنها ترتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي والمائي والاستقرار الاجتماعي. ويشير في حديث خص به “ألوان” إلى أن السودان ظل تاريخياً يعتمد على النيل كمصدر رئيسي للحياة، لكن التغيرات المناخية، وتراجع معدلات الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب التطورات السياسية في دول حوض النيل، جعلت ملف المياه أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
ويؤكد الهندي في حديثه لنا أن التعامل مع قضية المياه لا يجب أن يكون بردود أفعال مؤقتة، بل عبر رؤية استراتيجية طويلة المدى تشمل تطوير مشاريع حصاد المياه، وتأهيل شبكات الري، والاستفادة من الموارد المائية بصورة أكثر كفاءة.
وحول سد النهضة، لفت إلى أن إثيوبيا تنظر للمشروع باعتباره حقاً في التنمية وتوليد الطاقة، لكن إدارة هذا الملف بصورة منفردة قد تخلق مخاوف مشروعة لدى دولتي المصب، مشدداً على ضرورة الوصول إلى تفاهمات تضمن المصالح المشتركة وتمنع استخدام المياه كأداة للضغط السياسي.
ويضيف أن مستقبل السودان المائي يتطلب تحركاً دبلوماسياً وعلمياً عاجلاً، لأن النيل ليس مجرد مورد طبيعي، بل قضية سيادة وأمن قومي ومستقبل أجيال.

 

التغييرات المناخية

اذاً ما بين تطمينات الجهات الرسمية بشأن استقرار الموقف المائي، والمخاوف التي أثارها مشهد انحسار النيل في بعض المناطق، يبقى ملف المياه في السودان قضية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل البلاد. فالنيل الذي ظل عبر التاريخ مصدر الحياة والاستقرار، يواجه اليوم تحديات جديدة فرضتها التغيرات المناخية، وتطورات الإقليم، وتعقيدات إدارة الموارد المشتركة بين دول الحوض.
وبقدر ما تكشف المؤشرات الفنية عن قدرة السودان على تجاوز التقلبات المؤقتة، فإن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية وطنية متكاملة لإدارة المياه، تقوم على الاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز البحث العلمي، وتطوير الدبلوماسية المائية لحماية الحقوق والمصالح العليا للبلاد. فالمعركة القادمة حول المياه لن تُحسم فقط بكميات التدفقات، بل بقدرة الدول على التخطيط وحسن الإدارة وبناء الشراكات. وسيظل النيل بالنسبة للسودان أكثر من مجرد نهر؛ إنه قضية أمن قومي، وركيزة لبقاء الإنسان والزراعة والتنمية، ومستقبل أجيال كاملة.