
جرائم المليشيا .. أدلة دامغة أمام المجتمع الدولي
جرائم المليشيا .. أدلة دامغة أمام المجتمع الدولي
تقرير: مجدي العجب
لم تعد الاتهامات الموجهة إلى مليشيات الدعم السريع مجرد روايات يرويها الناجون من جحيم الحرب في السودان، أو بيانات تصدرها الحكومة السودانية، بل باتت تجد طريقها إلى تقارير وآليات أممية وصحف دولية، في مشهد يزداد قتامة مع توالي الأدلة والشهادات حول ما جرى ويجري في مدينة الفاشر بشمال دارفور. فكل تقرير جديد يرسم صورة أكثر سوادًا للحرب التي شنتها هذه المليشيات ودفعت المدنيين إلى قلب المأساة، حيث تحولت المدن إلى ساحات حصار، والمنازل إلى أنقاض، والغذاء إلى سلاح، والنساء والأطفال إلى ضحايا لانتهاكات ويصفها القانون الدولي بأنها من أخطر الجرائم التي يمكن أن تُرتكب بحق الإنسانية. فقد ارتكبت مليشيا الجنجويد من الجرائم ما لم يحدث منذ فجر التاريخ.
وفي هذا السياق، سلطت صحيفة كينية الضوء على ما ورد في تقرير بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، الذي تحدث عن أنماط من الانتهاكات الخطيرة في الفاشر، شملت القتل الجماعي والتجويع المتعمد والعنف الجنسي، وهي وقائع خلصت البعثة إلى أنها قد ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية. ولم يتوقف التقرير عند حدود توصيف الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا، بل فتح كذلك باب التساؤلات بشأن المواقف الإقليمية، في ظل تجدد الجدل حول مزاعم ارتباطات ودعم سياسي ولوجستي لمليشيا الدعم السريع، وهي مزاعم تواصل الحكومة الكينية نفيها. وبينما تتزايد الضغوط الدولية وتتسع دائرة المطالبات بالمساءلة، تبدو الفاشر عنوانًا لمأساة إنسانية لم يعد من الممكن تجاهلها، وقضية تتجاوز حدود السودان لتصبح اختبارًا حقيقيًا لجدية المجتمع الدولي في حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، أيًا كانت الجهة التي ارتكبتها.
حجم الكارثة
ويرى العقيد (م) محمد فرح أن ما كشف عنه تقرير بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان يمثل تطورًا بالغ الأهمية، لأنه ينقل الاتهامات الموجهة إلى مليشيا الجنجويد من نطاق السجال السياسي والإعلامي إلى دائرة التوثيق الدولي. ويؤكد فرح في حديثه ل”ألوان” أن ما ورد بشأن الفاشر يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب التي شنتها هذه المليشيات، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لمحاسبة كل من يثبت تورطه في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. ويضيف أن استمرار استهداف المدن، وحصار السكان، وتعطيل وصول المساعدات الإنسانية، كلها ممارسات تتعارض مع القانون الدولي الإنساني، ولا ينبغي أن تمر دون مساءلة. كما يرى أن التقرير سيزيد من الضغوط السياسية والدبلوماسية على الجهات المتهمة، وعلى الدول التي تثار بشأنها مزاعم تقديم أي شكل من أشكال الدعم لها، مشددًا على أن تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا
تحول ملحوظ
وقال الصحافي والمحلل السياسي عبد العظيم صالح إن أهمية التقرير الأممي لا تكمن فقط في طبيعة المعلومات التي أوردها، وإنما في كونه يعكس تحولًا ملحوظًا في مستوى التعاطي الدولي مع هذه الحرب التي تستهدف السودان في وحدته ودولته ومواطنيه، بعد أشهر من توثيق الانتهاكات وتراكم الأدلة. وأضاف في تصريح ل” ألوان” أن ما ورد بشأن الفاشر يعزز المطالب بإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن أي جرائم تُرتكب بحق الشعب السوداني، وفقًا للقانون الدولي. ويرى أن التقرير ستكون له انعكاسات سياسية ودبلوماسية، سواء على الأطراف المتحاربة أو على الدول التي أثيرت بشأنها تقديم دعم لأي طرف في النزاع، لافتًا إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصاعدًا في الضغوط الدولية من أجل حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
اهتمام دولي
وبين تقارير التوثيق الأممية وشهادات الناجين، تتسع دائرة الأسئلة وتضيق مساحة الإنكار الذي ظلت تمارسه مليشيا الجنجويد، فكل وثيقة جديدة تضيف لبنة إلى ملف المساءلة، وتؤكد أن معاناة المدنيين في السودان لم تعد شأنًا محليًا، بل قضية تستدعي اهتمامًا دوليًا متزايدًا. ويبقى الرهان الأكبر على أن تتحول التقارير إلى خطوات عملية تُنصف الضحايا، وتضع حدًا للإفلات من العقاب، وتفتح الطريق أمام سلامٍ يقوم على العدالة، لا على تجاوز الجراح أو طمس الحقائق.
