
عامر باشاب يكتب: الدعيتر إلى جنات الخلد .. إنه نعم الاصطفاء والاختيار يا صديقي مختار
الضوء الشارد
عامر باشاب
الدعيتر إلى جنات الخلد .. إنه نعم الاصطفاء والاختيار يا صديقي مختار
صبيحة الأمس فجعت البلاد كلها برحيل نجمة الدراما السودانية وملك الكوميديا الهادفة، الكوميديان الفنان “مختار بخيت الدعيتر”، أحد المبدعين الأوائل الذين دعموا معركة الكرامة من الطلقة الأولى، وظل خلال فترة نزوحه داعماً لقادة وجنود قوات الشعب المسلحة، وفي كل الأماكن التي نزح لها داخل البلاد كان يحرص باستمرار على إنتاج أعمال درامية خفيفة يبث من خلالها روح الأمل والاطمئنان في نفوس وقلوب كل أهل السودان، كما ظل يتابع باهتمام شديد انتصارات الجيش لحظة بلحظة ويبشر بها الناس ويرفع من روحهم المعنوية. والنجم “مختار الدعيتر” رغم أنه من أبناء كردفان، لكنه نزح إلى ولاية الجزيرة واستقر به المقام بقرية شرفت الحلاوين شمال مدينة الحصاحيصا، وهناك أُستقبل بترحاب شديد من أهل القرية ومنحوه منزلاً مفروشاً لكي يقيم فيه هو وأسرته بالمجان، وفي تلك الأثناء وحتى يحرك نفسه ويوفر لأفراد أسرته احتياجاتهم المعيشية اليومية فتح محلاً صغيراً في سوق الحصاحيصا لبيع (عصير ليمون بالنعناع)، وهناك أيضاً وجد حفاوة والتفافاً كبيراً من كل سكان الحصاحيصا والقرى المجاورة مواطنين ونازحين، وسريعاً جداً عمل زبائن جميعهم طبعاً كانوا من جمهور المعجبين ومحبي إبداعاته والمتابعين لأعماله الدرامية، وهو كان سعيداً جداً بهذا التواصل المباشر مع جمهوره العريض.
وبعد دخول الجنجويد إلى ولاية الجزيرة نزح “الدعيتر” بأصالته وسماحة روحه إلى مدينة كسلا، واصل فيها دوره الرسالي تجاه معركة الكرامة وتجاه أهل المدينة والنازحين، ومنها غادر إلى بورتسودان ومنها إلى الأراضي المقدسة بالمملكة العربية السعودية التي أراد الله أن ينهي فيها حياته الطيبة بحسن الخاتمة وحسن الجوار.
آخر الكلام بس والسلام.
قبل يوم واحد من رحيل صديقي الشفيف النضيف العفيف الظريف بعث لي بمقطع صوتي طمأن عبره الجميع على صحته وشكرهم على دعائهم له بالشفاء ونجاح عملية قسطرة القلب التي أُجريت له مؤخراً بالمملكة العربية السعودية بالمستشفى السعودي الألماني، وسبحان الله كان يتحدث بروح معنوية عالية وحب كبير وكان يحدوه الأمل للعودة والتواصل الاجتماعي الإبداعي مع كل السودانيين من جديد داخل الوطن بعد شتات الحرب، وتوقع أن يعود السودان أفضل مما كان.
ولكن أراد الله أن يكون هذا المقطع آخر رسالة يبعثها لي وآخر حديث له مع قبيلة الإعلاميين، ورسالة وداع لكل الناس، تحدث فيها بإيمان عميق عن مشيئة الله تعالى وقضائه وقدره، وأشار إلى أن كل ما في حياة الإنسان مسطر ومحسوب ومكتوب في الكتاب. بالجد فقده مؤلم ومفجع للغاية، ولكن عزاءنا أن روحه الطاهرة فاضت في تلك البقاع الطاهرة أرض الحرمين، ومنها إن شاء الله إلى جنات الخلد في جوار المصطفى المختار. حقاً إنه نعم الاصطفاء والاختيار يا صديقي “مختار”، ثبت بالفعل أنك مختار من الله سبحانه وتعالى لهذا الجوار. إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.