د. حسن محمد صالح يكتب: بعد مرور العام الثالث .. الموجة الأولى وليس الرصاصة الأولى

موقف

د. حسن محمد صالح

بعد مرور العام الثالث .. الموجة الأولى وليس الرصاصة الأولى

بمرور العام الثالث لاندلاع الحرب في السودان في صبيحة السبت ٢٥ أبريل ٢٠٢٣م في العشر الأواخر من رمضان ١٤٤٥ هـ للهجرة النبوية الشريفة، في هذه الذكرى المؤلمة انشغل المتحدثون والمعلقون بالطلقة الأولى أو الرصاصة الأولى للحرب، ولم يهتموا بالموجة الأولى للحرب، وهي أول موجة من الدعم السريع تدخل بيوت المواطنين، ومثلت البداية الحقيقية للحرب، وعلى إثرها خرج الناس من بيوتهم بعد أن استيقظوا على مشاهد السيارات المدججة بالسلاح وهي تتوغل إلى داخل الأحياء السكنية، وجنود مليشيا الدعم السريع يوجهون المدافع الرباعية إلى السماء لاصطياد طائرات الاستطلاع أنت نوف ويطلقون الرصاص في كل اتجاه. وبدأت حملة مسعورة للبحث عن بيوت ضباط الجيش والشرطة والكيزان وأصحاب الأموال، والشروع في قتل الناس واعتقالهم.
بدأت المليشيا في نهب الأسواق وحرق البنوك وفتحها اللصوص للإجهاز عليها وتدميرها، وسقطت الدولة بالكامل، وساد خوف الناس على الأنفس والأموال والثمرات، واستحال الخوف إلى واقع تمت ترجمته في أن تغادر بيتك إما بالنزوح أو باللجوء إلى دول الجوار في مصر وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وغيرها من الدول في العالم العربي وإفريقيا.
هذه هي الحرب الحقيقية، حرب الموجة الأولى من غزو المليشيا إلى الأحياء السكنية وبيوت المواطنين بعد الهجوم على القيادة العامة للقوات المسلحة والهجوم على مطار مروي والمعارك التي دارت هناك.
هذه هي الطلقة الأولى أو الموجة الأولى لمن يتحدثون عن المدنية السياسية والحزبية، ويتركون المدنية العمرانية والسكنية والاجتماعية للانتهاب، ولا يقولون كلمة إدانة أو رفض أو استنكار لما جرى لها، وهم متواطئون على حربها. عندما تستمع إليهم وهم يقولون: ما بمرقوا من بيوت المواطنين، هم احتلوها بالقوة، ما بمرقوا منها إلا بالقوة، وما في قوة بتمرقهم منها (الدكتور النور حمد عضو حكومة وحركة تأسيس بالدعم السريع).
الطلقة الأولى تكمن أهميتها عند من يريدون صرف الأنظار عن المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قامت بها قوات الدعم السريع في إطار الخطة (أ) المتمثلة في استلام السلطة بواسطة الدعم السريع بدلاً عن الجيش. عقب فشل محاولة الاستيلاء على السلطة وهزيمة الجيش تحولت المعركة إلى الخطة (ب)، وهي حصار الجيش في معسكراته وإبادته لتحقيق ذات الهدف من الخطة الأساسية، والتي تتضمن قتل القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي، وإعلان إمارة الجنيد أو دولة العطاوي. وبقية المشهد سوف تكمله دولة الإمارات العربية المتحدة الراعي غير الحصري لمؤامرة الانقلاب والحرب على السودان، والتي ظلت تعمل على السيطرة على السودان بالكامل وفق خطة متفق عليها مع الإمبريالية العالمية ودولة الكيان المغتصب.
الطلقة الأولى ظلت تفقد أهميتها ومصداقيتها العسكرية، ولم يعد الاحتجاج بها مجدياً مع تواتر المعلومات والأخبار المتصلة بها، ولم تعد فكرة الرصاصة الأولى قادرة على الصمود أمام الحقائق والوقائع لا من حيث الزمان ولا المكان ولا الرمزية. فمن حيث الزمان تنشأ أسئلة مشروعة:
هل انطلقت الرصاصة الأولى قبل الحرب بأسابيع في حوادث متفرقة في مناطق في دارفور وكردفان والخرطوم، أم انطلقت في يوم ١٢ أبريل ٢٠٢٣م بهجوم مليشيا الدعم السريع على مطاري مروي والأبيض، أم يوم ١٤ أبريل ٢٠٢٣م بأسر مليشيا الدعم السريع الضابط برتبة العميد معاوية قائد منطقة الباقير وعدد من ضباط الجيش، أم انطلقت عند الثالثة فجراً السبت ١٥ أبريل ٢٠٢٣م مع ساعة الصفر للهجوم حيث بدأت معركة بأم درمان أثناء سيطرة الدعم السريع على الإذاعة والتلفزيون في انتظار البيان الأول للانقلاب وحضور يوسف عزت مستشار حميدتي الإعلامي إلى مباني التلفزيون لإذاعة البيان الأول للانقلاب، أم كانت في ذات الوقت بالقصر الجمهوري ومناطق أخرى انقلب فيها الدعم السريع على إخوانهم من الجيش رفقاء السلاح الذين تناولوا معهم العشاء والسحور في ذات المواقع وذلك حسب رواية الشهيد عثمان مكاوي الذي كان يتحدث عن تلك اللحظات من الغدر والخيانة بحسرة وألم.
أما من حيث المكان، فهل انطلقت الرصاصة الأولى من مطار الخرطوم وحرق الطائرة السعودية المغادرة إلى الرياض فجر السبت ١٥ أبريل ٢٠٢٣م بأسلحة الدعم السريع؟ أم انطلقت الطلقة الأولى من المدينة الرياضية جنوب الخرطوم أم من أرض المعسكرات بسوبا، وما بين المدينة الرياضية وأرض المعسكرات أكثر من خمسة كيلومترات، وقد ظلت المدينة الرياضية هي الرواية الإعلامية التي أنتجتها الغرف الإعلامية لمكونات الحرية والتغيير ومستشاري المليشيا في قناة فوكس نيوز وغيرها من القنوات. أما روايات الدعم السريع فقد تحدث عبد الله حسين وهو ضابط خلا قائد بقوات الدعم السريع أن الحصار من جانب الجيش وقع على المليشيا في أرض المعسكرات، وأن اللواء مضوي قائد ثاني الاستخبارات بالدعم السريع منح القوات المسلحة نصف ساعة لفك الحصار ومغادرة المكان، وكان ذلك في أرض المعسكرات بسوبا. فهل من يطلق الطلقة الأولى هو من يوجه الإنذار ويحدد ساعة الصفر أم القوى المحاصرة للمكان وهي بحكم موقعها ليست في حاجة لإطلاق النار؟ من هو في حاجة لإطلاق النار هي مليشيا الدعم السريع التي تحتاج لإطلاق النار لفك الحصار من حولها كما حذر وأنذر قائدها اللواء مضوي حسين كما ذكرنا آنفاً.
وهل الشخص الذي يزعم بأن الطلقة الأولى انطلقت من المدينة الرياضية بحكم تواجده في المدينة الرياضية يستطيع أن يجزم بأنها لم تنطلق في أم درمان أم بحري أم القيادة العامة مثلاً؟
وإذا وضعنا مقارنة فإن القوات المسلحة باعتبارها جيشاً نظامياً لا يمكن أن تقوم باستفزاز قوات الدعم السريع بإطلاق النار عليها لتقوم حرب في مدينة عدد سكانها عشرة ملايين نسمة على أقل تقدير، وإن كانت الغرف الإعلامية تتهم الكيزان أو الإسلاميين بإطلاق الرصاصة الأولى، فالواقع يقول إن الإسلاميين أو الكيزان الذين يقاتلون مع الجيش متطوعين يخضعون للتعليمات الواردة من القادة الميدانيين، وإن الجيش لا يجاملهم إذا أخطأوا في القول ناهيك عن إطلاق نار وإشعال حرب، والدليل على ذلك أن عدداً منهم في المعتقلات بتهمة عدم الانضباط أثناء ارتداء الزي العسكري، وقد تم اعتقال المجاهد بالمقاومة الشعبية الدكتور الناجي عبد الله ومن قبله الدكتور الناجي مصطفى وغيرهم.
ونخلص إلى حقيقة أن مليشيا التمرد هي من بدأ الحرب بإطلاق النار في وقت واحد من المدينة الرياضية ومطار الخرطوم والقيادة العامة وبيت الضيافة، والهدف هو الاستيلاء على السلطة باستخدام الكثافة النارية. وقد صرح قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو حميدتي لقناة الجزيرة بعد إطلاق النار بدقائق معدودة بأن قواته مسيطرة وأن البرهان في قبضتهم، وأن أمام البرهان خيارين: إما أن يستسلم أو يُقتل، مع توجيه إساءات مباشرة للقائد العام للقوات المسلحة. وانتشرت من بعد ذلك معلومات وروايات عن تحركات لخالد سلك وياسر عرمان القادة في قحت مع عبد الرحيم دقلو قائد ثاني الدعم السريع في ليلة الانقلاب بسيارة ميني بص. وانتشر فيديو لعرمان وخالد سلك في اتصال مع حميدتي يصفون ذهاب الدعم السريع إلى مروي بالولاية الشمالية بأنه كان مضيعة للوقت، ويتحدثون عن تأخر ساعة الصفر عندما قال لهم حميدتي: أنا اتصلت على عبد الرحيم وسألته قلت له جاهزين قال لي جاهزين، وكانت ساعة الصفر للانقلاب عند الرابعة فجراً ولكنها تأخرت إلى التاسعة صباحاً بتوقيت الخرطوم.
ختاماً: إن الحرب على السودان هي مؤامرة مكتملة الأركان كان الغرض منها سيطرة خارجية على البلاد واحتلالها بالكامل، وقد تصدى الجيش ومعه الشعب السوداني للمؤامرة التي كانت تكبر بانتشار الدعم السريع في ولايات السودان قبل أن يستلم الجيش والشعب زمام المبادرة وتدور الدائرة على المليشيا وأعوانها الذين خسروا الرهان على الحرب وأرادوا الفكاك من الجريمة بالحديث عن الطلقة الأولى، ولكن هيهات.