
حكاية سودانية من دفتر قديم
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
حكاية سودانية من دفتر قديم
من السوانح واللحظات الدافئة في حياة الذين يهتمون بالقراءة والكتابة هواية ومن بعدُ مهنة القصاصات القديمة في الثانويات والجامعات وبدايات الصحافة، حين تكون المفردات براعماً والمعاني حالمات. وكنت أسعد جداً عندما أجد في أوراقي القديمة التي ترحل معي أين ما رحلت محاولة لكتابة قصيدة من زمن الصبا بالفصيح أو العامية، بالمُقفى أو التفعيلة أو على طريقة القصيدة الحرة، أو أجد ورقة قاومَت الدهر طويلاً وقد حَوَت مُحاولاتنا الأولى في كتابة القصة القصيرة جداً جداً.
ومن هذه القصاصات وجدت هذه الحكاية الصغيرة، وكنا نأمرأنفسنا كأصدقاء أن نكتب من قلب الواقع بعيداً عن الغموض والترميز الذي ساد الأدب العربي طويلاً إلى يوم الناس هذا. وكان لنا صديق ساخر يُسمِي مثل هذه الكتابات الغائمة والأفكار الطلاسم (بأدب تناسلت البراغيث).
كتبت يوماً هذه الحكاية بكل الضعف القديم دون أن أضيف لها سطراً أو تنقيحاً، وقد أسميتها (حكاية سودانية من دفتر قديم).
الفتى فتحي والصبية فتحية التقيا على قَدَر بكلية الهندسة قسم المعمار تبادلا في بداية الملتقى المقاعد والجلسات العابرة في ( مقهى النشاط) ثم توثقت العرى بدفاتر المحاضرات ثم صارت إلفة الزمالة قصة حب عفيفة انتهت بالزواج بعد التخرج مباشرة، فقد كان ذلك الزمان الأخضر يتيح العش الولوف دون كثير استعداد لهذه المناسبة الخطيرة، فالعمل لعام واحد بعد التوظيف يكفى ويفيض. توالت النجاحات وقد افتتاحا مكتباً صغيراً للرسم الهندسي والإنشاءات المتواضعة التي تطورت لاحقاً لمشروعات مهولة ومشهودة، وصار المكتب الصغير الأنيق شركة تضِج بالكفاءات والنجاحات والمشاريع .
ومن فيوضات هذه النجاحات شَيدا فيلا فاخرة عُشً للزوجية بضاحية شهيرة بالخرطوم ، فسيحة في امتدادها وحديقتها وتصميمها (المختلف) ورُزِقا أطفالاً كانوا كالعصافير الملونة في هذه الجنة والوريفة.
جاء الباشمهندس بوالده الشيخ المسن ووالدته الشيخة المريضة فاختار لهما غرفة صغيرة مطلة على الحديقة وبها حمام داخلي وأثاث متين يَصلح لمجابهة حركة هذا العمرالمسافر. وعندما صار الأطفال على مدخل المدارس حدث اتفاق بالرضا بين الزوج المهندس والزوجة المهندسة، بأن تظل هي في البيت لرعاية الأطفال وتقوم ببعض الأعمال الهندسية غير المُجهدة بمكتبها في الفيلا الأنيقة ويتفرق هو لرهق الإنشاءات والعطاءات.
وفي إحدى الأيام وقعت حادثة صغيرة لكنها كانت كبيرة الدلالة زلزلت التفكير الراتب والعلاقات بين أفراد الأسرة، تلك العلاقات التي ظنوا أنها قد ترتبت وصارت بلا قلق ولا توتر ولا تقاطعات وسكنت بمرور الايام. فقد جلست الباشمهندسة يوماً تُراجع الدروس مع ابنتها شاهندة ابنة التاسعة ومنحت كريم دفتراً للرسم وألواناً حتى لا يُشغِلها ويُشغِل شاهندا عن الدرس والمراجعة. كان كريم يُمَنِي نفسه ولا يُخفي ذلك بأن وظيفته القادمة ستكون في مجال الهندسة مثل أبيه (ومن شابه أباه فما ظلم).
وعندما أنهت الباشمهندسة مُراجعة الدرس مع شاهندة إلتفتت صوب لوحة كريم الهندسية الساذجة التكوين، وبدأ يشرح لها في براءة الأطفال مخططه السكني القادم لأسرته وتصوره لفلتهم بطوابقها الثلاثة وحديقتها الغناء وغرفها المُتسعة والمُطلة على الشمس والهواء الطلق وقد لَحَظت أنه قد رسم غرفة صغيرة قَصية ومعزولة في أقصى المبني بعيدة عن الطبيعة والناس والأشياء، فسألته في دهشة وتعجب لمن هذه الغرفة يا كريم؟
فقال لها في براءة الصغار: إن هذه الغرفة الصغيرة ستكون غرفتك وغرفة أبي عندما تشيخان وقد بنيتها أكثر اتساعاً من غرفة جدي وجدتي حتى تحوي مكتبتكم.
هنا صفعتها الإجابة في عنف وهزتها هزاً عنيفاً وهربت بعدها إلى غرفتها، وقد أخفت وجهها عنه وبكت بكاءاً مُراً ، وعندما أفاقت من صدمتها نادت على السائق وعامل الحديقة وخادمة المنزل ليساعدوها في نقل حاجيات الشيخين وترحيلهما إلى أجمل غرف الفيلا وأكبرها وأكثرها اتساعاً وراحة ورياشاً ومغريات.
وعندما أتى زوجها قصت عليه الحكاية، فدخلا في نوبة من البكاء الطويل وقال بعد نوبة النحيب في همس وحياء لشريكة عمره: لقد أظلنا الزمان الذي نتعلم فيه من أطفالنا ليعيدوا لنا التوازن والقيم والواجب والبراءة، تلك القيم التي أنستنا لها تصاريف الأيام وشواغل الفانية .
دخل الباشمهندس بعدها إلى الغرفة المتسعة الجديدة لوالده الشيخ المريض ووالدته الشيخة المسنة وطبع قُبلة اعتذار حارة على جبينهما والأيدي والقدمين، ولم ينبث ببنت شفة ، فقد كان الحديث المخبوء أكبر وأعمق من الكلمات.