المليشيا .. تفكك وانهيار

المليشيا .. تفكك وانهيار

تقرير: مجدي العجب

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد السوداني، تبرز مؤشرات واضحة على تصدع البنية الداخلية لمليشيا الجنجويد، التي باتت تعاني من انشقاقات متتالية تعكس عمق أزمتها التنظيمية وغياب أي مشروع جامع يمكن أن يحافظ على تماسكها. هذه الانقسامات لم تعد مجرد تسريبات أو روايات متداولة، بل تحولت إلى واقع ميداني يتجلى في تراجع السيطرة وتفكك الولاءات داخل صفوفها، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول قدرتها على الاستمرار ككيان موحد. وتأتي الأنباء المتداولة عن انشقاق القيادي المعروف بـ”على رزق الله” الملقب بـ”السافنا”، وانضمامه إلى صفوف القوات المسلحة، كواحدة من أبرز الدلالات على هذا التآكل الداخلي. فمثل هذه الخطوة لا تعكس فقط قراراً فردياً، بل تشير إلى حالة من فقدان الثقة داخل المليشيا، وتنامي القناعة لدى بعض عناصرها بأن الاستمرار في هذا المسار لم يعد مجدياً، لا سياسياً ولا ميدانياً.

 

 

إن تفكك هذه المليشيا من الداخل يكشف بوضوح عن طبيعتها الحقيقية؛ فهي لا تستند إلى مشروع وطني، ولا تحمل رؤية سياسية يمكن أن تلتف حولها قواعدها، وإنما تقوم في جوهرها على مصالح آنية وارتباطات ظرفية، الأمر الذي يجعلها عرضة للانهيار بمجرد اهتزاز تلك المصالح أو تغير موازين القوة. ومن هنا، فإن الانشقاقات الحالية ليست مفاجئة بقدر ما هي نتيجة حتمية لبنية هشة افتقرت منذ نشأتها إلى الأسس التي تضمن الاستمرارية والاستقرار. وفي المقابل، تشير هذه التطورات إلى دور متنامٍ وفاعل للأجهزة المختصة، وعلى رأسها الاستخبارات العسكرية، التي يبدو أنها تنتهج استراتيجيات دقيقة تستهدف تفكيك هذه التكوينات من الداخل، عبر رصد نقاط الضعف واستثمار حالة التململ داخل صفوفها. وهو ما ينعكس في تسارع وتيرة الانشقاقات، وتراجع قدرة المليشيا على الحفاظ على تماسكها التنظيمي. وبذلك، يمكن القول إن ما يحدث اليوم لا يقتصر على مجرد انقسامات عابرة، بل يمثل مرحلة مفصلية في مسار الصراع، تتجلى فيها ملامح إعادة تشكيل المشهد الأمني والعسكري في البلاد، في اتجاه يعزز من فرص استعادة الاستقرار، ويضعف من الكيانات التي قامت على الفوضى وغياب المشروع الوطني.

 

انشقاقات بوتيرة متسارعة

 

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور حسن الشايب أن ما يجري داخل مليشيا الجنجويد في المرحلة الراهنة يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على الاشتباك الميداني المباشر، بل انتقلت إلى داخل البنية التنظيمية للمليشيا نفسها. وأكد في تصريح ل “ألوان” أن تصاعد وتيرة الانشقاقات يعكس حالة من فقدان التماسك، نتيجة غياب مشروع سياسي وطني قادر على توحيد الرؤية والأهداف داخل هذا التكوين.
ويشير الشايب إلى أن الأنباء المتداولة حول انشقاق القيادي المعروف بـ”على رزق الله” الملقب بـ”السافنا”، وانضمامه إلى صفوف القوات المسلحة، إن صحت فهي تمثل مؤشراً مهماً على بداية مرحلة التفكك البنيوي، حيث تنتقل الأزمة من الأطراف إلى قلب القيادة الوسطى، وهو ما يسرّع من انهيار منظومة الولاء داخل المليشيا. ويضيف أن المليشيات بطبيعتها، عندما تقوم على المصالح المؤقتة والارتباطات الظرفية، تكون أكثر عرضة للانقسام عند أول اختبار حقيقي، بخلاف الجيوش النظامية التي تستند إلى عقيدة قتالية ومؤسسات راسخة. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الانشقاقات يعكس غياب الفكرة الجامعة، ويؤكد أن هذا الكيان لم يتشكل على أساس مشروع دولة، بل على شبكات نفوذ ومصالح متغيرة.

المليشيا تنهار من الداخل

 

فيما يرى الصحافي والمحلل السياسي عبدالماجد عبدالحميد ان ما يحدث الآن داخل صفوف مليشيات وعصابات التمرد السريع ليس مفاجئًا ولا مدهشًا لمن يعرفون التركيبة المتناقضة التي تقوم عليها هذه الأوشاب وتتكيء.
واشار في حديث خص به” ألوان” ان مفاجآت الانسلاخ من صفوف المليشيا ستتوالى ميدانيًا وسياسيًا مشيرا الى ان هنالك مفاجأة صاعقة سترتج لها المليشيا في مقبل الأيام. وقال عبد الماجد انه لم يستغرب لمغادرة أعداد كبيرة من السياسيين والإعلاميين الذين ساندوا المليشيا وبشروا بمشروعها الذي تهاوى تحت ضربات الجيش ولعنات الشعب السوداني قبل صموده الأسطوري في وجه المؤامرة. وختم حديثه لنا قائلا: المليشيا تنهار من الداخل. هذه حقيقة تؤكدها مجريات الأحداث كل يوم. التحدي هو كيف سيتم التعامل مع القادمين من جحيم آل دقلو؟.

 

تآكل داخلي

 

اذاً تبدو الانشقاقات المتسارعة داخل هذا التكوين المسلح مؤشراً على مرحلة تآكل داخلي يصعب احتواؤها على المدى المتوسط، خاصة في ظل غياب رؤية جامعة ومشروع سياسي واضح المعالم. فالتنظيمات التي تقوم على الولاءات المؤقتة والمصالح الضيقة سرعان ما تفقد تماسكها عندما تتعرض لضغوط حقيقية، وهو ما يتجلى اليوم في تصاعد وتيرة التفكك وتراجع القدرة على ضبط الصفوف..كما أن هذه التحولات تعكس في جانب منها فاعلية المقاربات غير المباشرة في إدارة الصراع، حيث يصبح تفكيك البنية الداخلية أكثر تأثيراً من المواجهة التقليدية. ومع استمرار هذا المسار، تبرز ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم توازنات القوة، وتفتح المجال أمام استعادة قدر أكبر من الاستقرار، شريطة أن يُواكب ذلك مشروع وطني شامل يعالج جذور الأزمة ولا يكتفي بنتائجها.
وعليه، فإن ما يحدث لا ينبغي النظر إليه كأحداث متفرقة، بل كجزء من سياق أوسع يعكس تحولات عميقة في بنية الصراع، ويضع البلاد أمام اختبار حقيقي لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر تماسكاً واستدامة.