عطبرة والخمسة الكرام

عطبرة والخمسة الكرام

بقلم: إبراهيم فتح الرحمن سمباي

في مدينةٍ لا تعرف الانحناء، صاغت الحديد وتوهجت بالنار، كانت إضراب الـ33 يوم 1948م صفحةً من نور، تتأجج فيها الإرادة، ويُكتب فيها المجد بعرق الكادحين.
في عطبرة، حيث السكة قلب الوطن النابض، وقف رجالٌ كالجبال: سليمان موسى، الطيب حسن، قسم الله صباح الخير، حسين السيد، محمد أحمد حمد مسمار. خمسة، ولكنهم كانوا أمة.
رهنوا بيوتهم، بيوتٌ بُنيت من عرق السنين ومن تعب الأيادي الصابرة، قدّموها بلا تردد، فداءً لوطنٍ كان يولد من رحم المعاناة.
كان الإضراب معركة وعيٍ وصمود، وتنظيمًا دقيقًا كما تُنظم الجيوش: القطارات تسير بإرادة، والماء والمؤن تُحمل للمحطات من عطبرة إلى أوجرين، إلى هيا، امتدت القوافل، وكأن الأرض كلها قررت أن تقف مع العمال.
يروي الزعيم النقابي الطيب حسن في كتابه «مذكرات عن الحركة العمالية» كيف بدأ التفكير في تأمين العمال في المواقع النائية، وكيف تحولت اللواري إلى شرايين حياة تحمل الماء والمؤن كل يومين، في تنظيمٍ دقيق يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة المعركة.
كما وثّق هذه الوقائع الأستاذ الرشيد مهدي في كتابه «استديو الذكريات»، حيث رسم صورةً حية لتلاحم المجتمع العطبراوي.
تدفق العطاء من كل الجهات: من الحاج محمد حسن البصيلي الذي تبرع بعرباته، إلى أبناء العبابدة وأولاد حمد الذين كانوا يسوقون جمالهم لحمل الماء للمحطات البعيدة، وآل دبورة والداخلة وكنور والسيالة الذين كانوا يوفرون الخضروات مجانًا للمدينة، حتى صارت عطبرة كلها قلبًا واحدًا.
وحين ضاقت السبل واتسعت الحاجة ارتفعت القيم، فتقدّم الخمسة الكرام ورهنوا منازلهم لدى الحاج البصيلي لتأمين احتياجات هيئة شؤون العمال، في واحدة من أسمى صور التضحية التي عرفها تاريخ الحركة الوطنية.
تحولت البيوت إلى وثائق وفاء، وصارت الجدران جسورًا نحو الحرية، وشهدت السقوف ميلاد كرامة وطن.
ثم جاء القرار من هيئة شؤون العمال بشراء خمسمائة أردب من الذرة من التاجر عمر عجبين، لتوزع على العمال تأمينًا لنجاح الإضراب، صمودًا يُؤكل وكرامة تُحفظ.
وهكذا أصبح أولئك الرجال نبض مرحلة وصنّاع فجرٍ قادم، فجر الاستقلال والتحرر.
واليوم تمر الأقدام بجوار تلك البيوت دون أن تدري أن خلف جدرانها حكاية وطن، وأن بين حجارتها قسمٌ كُتب بالتضحية.
سلامٌ عليكم أيها الخمسة الكرام، من جعلتم من العطاء سيرة، ومن التضحية وطنًا، ومن البيوت قناديل تضيء طريق الحرية.
رحمكم الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدمتم نورًا في صحائفكم، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.