إبراهيم شقلاوي يكتب: الخرطوم مدينة لم تغادرها الحرب

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

الخرطوم مدينة لم تغادرها الحرب…!

منذ أن أصدر الرئيس عبد الفتاح البرهان، في 18 يوليو 2025، قرارًا قضى بإخلاء العاصمة من التشكيلات العسكرية خلال فترة محددة، توقّع المراقبون أن يكون القرار خطوة نحو إعادة الحياة المدنية، كما اعتبروه اختبارًا لقدرة الدولة على استعادة السيطرة على مركزها الأمني والسياسي بعد حربٍ وجودية أفقدت المواطن أمنه واستقراره.

غير أن ما بعد القرار لا يشبه منطقه، إذ يصطدم بواقعٍ أكثر تعقيدًا على الأرض.

رغم انتهاء مظاهر الحرب، لا تزال شبكات النفوذ التي أفرزتها حاضرة داخل الخرطوم، حيث تتقاطع أدوار قوات الشرطة مع قوات الحركات والمستنفرين وغيرهم. لذلك فإن تنفيذ القرار يوجب إزالة السلاح من الشوارع ، بالإضافة الي تفكيك توازنات ترسخت خلال الحرب، ذلك يحدد ما إذا كانت العاصمة قادرة على استعادة استقرارها، أم ستظل عالقة في حالة “سيطرة تتقاسمها عدد من الاطراف ” تقوّض سلطة الدولة.

فالخرطوم اليوم رغم كل ما يقال عن استعادتها، لم تغادرها الحرب بعد، بل غادرت بعض مظاهرها المخزية ، وبقيت آثارها كامنة في تفاصيل المشهد اليومي، وفي بنية القوة داخلها، وفي ذاكرة سكانها. لذلك أصبح من الضروري أن تستعيد الدولة احتكارها للقوة داخل مركزها السياسي.

إذ لا يمكن لأي عاصمة أن تستعيد عافيتها وهي تتقاسم فضاءها مع تشكيلات مسلحة، بعضها يعمل داخل الإطار الرسمي، وبعضها يتحرك في هوامشه، وبعضها يفرض حضوره بقوة الواقع لا بشرعية القانون.

في المقابل تتصاعد مؤشرات عودة المواطنين إلى الخرطوم، عودةً تحمل كما يبدو توقاً طبيعياً إلى الديار، كما أنها تعبير عن استعداد نفسي لمنح الدولة فرصة جديدة. غير أن هذه العودة، بكل تفاصيلها وتحدياتها ، تظل مشروطة : أن يجد العائد إلى الخرطوم مدينة مختلفة عمّا تركها.

فليس من المقبول أمنيًا وسياسياً ولا أخلاقياً، أن يعود المواطن إلى بيته ليصطدم بذات المظاهر العسكرية غير المنضبطة التي كانت أحد الأسباب المباشرة في خروجه لاجئاً أو نازحاً. ذلك أن العودة، إن لم تُبنَ على شعور حقيقي بالأمن والأمان، تتحول إلى وجود حذر و مؤقت داخل دائرة القلق.

لقد غيّرت الحرب، على نحو جذري، علاقة المواطن بمفهوم الأمن. فلم يعد الأمن يُقاس بكمية السلاح المنتشر، بل بمدى غيابه عن الحياة اليومية. وصار الوجود المسلح داخل الأحياء، حتى لو رُفع تحت لافتات مختلفة، يُستقبل بريبة وعدم طمأنينة، لأنه يستدعي ذاكرة قريبة لجراح لم تندمل بعد. ومن هنا، فإن استمرار هذه المظاهر لا يُقرأ كإجراء احترازي، بل كإخفاق في الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق صناعة السلام.

في قلب هذا المشهد، لا تبدو المخاوف تقديرات أو هواجس، بل واقعًا حيًا يتحدث به الناس. فقد تواصل عدد من قراء نافذة “وجه الحقيقة”، ناقلين قلقًا صادقًا على أسرهم، وهم يرصدون ظهور عناصر مسلحة داخل أحياء يفترض أنها استعادت مدنيتها، في مناطق كالثورات ومدينة النيل، والرياض وبحري، ترتدي أزياء ذات دلالات ثقيلة في الوجدان، مثل “الكدمول”. بعضهم أشار إلى سماع إطلاق الرصاص دون أن يعلم تفاصيله فقد أصبح التحرك ليلا محفوفا بالمخاطر، وهي مشاهد تعيد إنتاج الخوف في نفوس الأطفال، وتثقل كاهل النساء بقلق لا يهدأ وشعور لا يحتمل.

هذه الشهادات ليست موقفًا ضد الدولة، بل نداء لها. تعبير عن رغبة في أن تنجح هذه المرحلة، وأن تتحول القرارات إلى واقع ملموس. غير أن القلق لم يعد مكتومًا بالكامل، إذ أبدى بعضهم، مع آخرين، استعدادًا لتنظيم وقفات احتجاجية في الطرقات، ومحيط المدارس، وداخل الأحياء السكنية، رفضًا لعودة المظاهر المسلحة أيا كان تبريرها. وهذا التطور لا يُقرأ كتصعيد بقدر ما هو إنذار مبكر للقائمين على الأمر ،بأن المسافة بين الثقة والاحتقان بدأت تضيق، وأن الصبر الذي صنعته المعاناة بدأ ينفد.

غير أن التحدي لا يقف عند حدود إزالة المظاهر العسكرية، بل يتجاوزها إلى كيفية ملء الفراغ الذي تتركه. فالتجارب القريبة والبعيدة تُظهر أن الانسحاب غير المدروس للقوة قد يفتح الباب لفوضى جديدة، أكثر تعقيداً من سابقتها. ولذلك فإن نجاح القرار مرهون بقدرة الدولة على إعادة بناء منظومة أمنية مدنية، تقوم على شرطة مهنية، وقضاء فاعل، وأجهزة قادرة على فرض القانون دون أن تتحول هي نفسها إلى مصدر قلق. فالأمن، في نهاية المطاف، ليس غياب الخطر فقط، بل حضور العدالة أيضاً.

من هنا، بحسب #وجه_الحقيقة فإن الدعوة اليوم موجهة بوضوح إلى المسؤولين في الحكومة وقيادة الدولة للتحرك العاجل قبل أن يتفاقم المشهد. فالناس، ببساطة موجعة، لم يعودوا يحتملون أن يُمتحنوا مرتين: مرة حين أُخرجوا من بيوتهم تحت ضغط الخوف، ومرة حين يُطلب منهم العودة دون أن تتغير شروط الأمان. إن إدارة هذه المرحلة لا تحتمل التردد، لأن ما يُختبر الآن ليس فقط استقرار العاصمة، بل مصداقية الدولة و قيادتها .
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 27 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com