ذهب كاودا يشعل التمرد .. الأُطورو تتصدى لتحالف الحلو والجنجويد

ذهب كاودا يشعل التمرد .. الأُطورو تتصدى لتحالف الحلو والجنجويد

تقرير: مجدي العجب

في وقتٍ تتفاقم فيه معاناة أهالي جنوب كردفان تحت وطأة الحرب والانقسام، تتصاعد الأسئلة الغاضبة حول الدور الذي يلعبه قائد الحركة الشعبية – شمال، عبد العزيز الحلو، في دفع الإقليم نحو مزيد من التشظي والاقتتال الداخلي. فالرجل الذي قدّم نفسه لسنوات باعتباره حاملاً لمشروع سياسي يعبّر عن تطلعات المهمشين، يجد نفسه اليوم في مرمى انتقادات واسعة بسبب الابتعاد عن قضايا المجتمعات المحلية والانخراط في تحالفات عسكرية وسياسية أثارت جدلاً واسعاً بشأن مستقبل الإقليم ومصير موارده. وتأتي المواجهات الدامية الأخيرة في كاودا بين قوات الحركة الشعبية ومسلحين من قبيلة الأُطورو لتفتح جرحاً جديداً في جسد جنوب كردفان المثقل بالصراعات، حيث يرى مراقبون وسكان محليون أن الأزمة لم تعد مجرد نزاع أمني عابر، بل انعكاساً لحالة احتقان عميقة مرتبطة بالنفوذ والسيطرة على الموارد، وعلى رأسها الذهب، الذي تحوّل في كثير من مناطق النزاع إلى وقودٍ للحروب ومصدرٍ لتأجيج الانقسامات. وبينما تتصاعد الاتهامات للحركة الشعبية بمحاولة فرض ترتيبات أمنية بالقوة وتهيئة بيئة تُمكّن أطرافاً نافذة من بسط نفوذها على مناطق التعدين، يزداد الغضب الشعبي وسط قطاعات من أبناء المنطقة الذين يعتبرون أن المشروع الذي رُفع يوماً باسم العدالة والحقوق تحوّل إلى مصدر جديد للهيمنة والصراع، بعدما أصبحت القرى ساحةً للمواجهات، والمواطنون وقوداً لمعركة النفوذ، والأسواق والاتصالات والخدمات ضحية مباشرة للاحتراب الداخلي.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبدو كاودا وكأنها تقدم نموذجاً صارخاً لتحولات الصراع في جنوب كردفان: من شعارات سياسية كبرى إلى نزاعات محلية دامية، ومن وعود بحماية المجتمعات إلى اتهامات بتغذية الانقسام وإدخال الإقليم في حسابات عسكرية وإقليمية معقدة، يدفع ثمنها المواطن البسيط أولاً وأخيراً.

 

 

الاطورو تواجه الحلو والجنجويد

 

وشهدت منطقة كاودا بولاية جنوب كردفان مواجهات عنيفة بين قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة المتمرد عبد العزيز الحلو ومسلحين من قبيلة الأُطورو، على خلفية خلافات حول السيطرة على مناطق غنية بالذهب. وبحسب مصادر محلية، اندلعت الأزمة بعد رفض مجتمع الأُطورو محاولات لنزع السلاح بالقوة، عقب اتهامات للحركة بدعم جهات للاستيلاء على أراضيهم تمهيداً لإدخال شركات تنقيب عن الذهب. وأكدت المصادر أن الاشتباكات أسفرت عن حرق عدد من منازل المواطنين، وإغلاق سوق كاودا، إلى جانب توقف خدمات الاتصالات عبر شبكة “ستارلينك”، وسط حالة من التوتر وعدم الاستقرار بالمنطقة.

 

قوة رافضة للجنجويد

 

وفي تطور يعكس تصاعد الغضب المحلي داخل كاودا، برزت قبيلة الأُطورو التي تمثل أحد المكونات الاجتماعية الرئيسية وتبسط نفوذاً واسعاً في المنطقة كقوة رافضة لما تصفه بمحاولات فرض واقع جديد على أراضيها ومواردها. فوسط اتهامات متزايدة للحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو بفتح الطريق أمام جهات مرتبطة بمليشيا الدعم السريع المدعومة من أبوظبي للتوغل في مناطق الذهب، تتصاعد مخاوف المجتمعات المحلية من مشروع يهدد بانتزاع الموارد من أصحاب الأرض ودفع السكان الأصليين إلى الهامش تحت وقع السلاح والنفوذ العسكري.

 

تمسك الاهالي بحماية الارض والثروة

 

ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي د. حسن الشايب أن ما يجري في كاودا يكشف عن أزمة عميقة داخل مشروع عبد العزيز الحلو، الذي انحرف عن أولويات إنسان جنوب كردفان ليدخل في تحالفات عسكرية مثيرة للجدل أضرت بالنسيج الاجتماعي والاستقرار المحلي. ويعتبر الشايب في حديثه ل(ألوان) أن أي محاولات لفرض السيطرة على مناطق الذهب بالقوة أو تمكين مجموعات مسلحة من النفاذ إلى موارد المجتمعات المحلية تمثل تهديداً مباشراً لحقوق السكان الأصليين، وتفتح الباب أمام صراع جديد عنوانه الثروة والنفوذ لا مطالب المواطنين. وأضاف أن أبناء المنطقة باتوا أكثر تمسكاً بحماية أرضهم ومواردهم في مواجهة ما يصفونه بمحاولات الإقصاء والتغول على الحقوق التاريخية للمجتمعات المحلية.

 

الأطورو في مواجهة الحلو والجنجويد

 

ويعتبر الأكاديمي والمحلل السياسي د. الرشيد محمد إبراهيم أن ما يجري في كاودا يمثل لحظة فارقة تكشف، بصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، حجم التحولات المثيرة للجدل داخل مشروع عبد العزيز الحلو، الذي بات بعيداً عن شعارات حماية المجتمعات المحلية والدفاع عن حقوق المهمشين. ويرى بحسب إفادته ل(ألوان) أن اندلاع المواجهات مع أبناء الأُطورو، وهم من المكونات الاجتماعية الأصيلة ذات الامتداد الواسع في كاودا، يطرح أسئلة قاسية حول طبيعة الأولويات التي أصبحت تحكم المشهد في مناطق الحركة الشعبية، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من تحوّل مناطق الذهب إلى بؤرة صراع نفوذ تتقدم فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية على مصالح السكان. ويضيف، في حديثه لنا قائلاً: إن المجتمعات المحلية في جنوب كردفان باتت أكثر حساسية تجاه أي محاولات تُفهم باعتبارها إعادة هندسة للنفوذ داخل أراضيها أو تمهيداً لسيطرة أطراف مسلحة على الموارد الطبيعية، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الصراعات حول الذهب كثيراً ما تنتهي بتهميش أصحاب الأرض وإغراق المناطق في الفوضى الأمنية. ويشير إلى أن الغضب المتصاعد وسط أبناء المنطقة لا يمكن فصله عن شعور متزايد بأن الإقليم يُدفع نحو معارك جديدة عنوانها السيطرة على الثروة، في وقت ينتظر فيه المواطن الأمن والخدمات والاستقرار.

 

الحساسية تجاه الارض والهوية

 

ويبدو جلياً أن كاودا اليوم أمام اختبارٍ بالغ القسوة؛ فإما أن تنتصر إرادة المجتمعات المحلية في حماية أرضها ومواردها وحقها في طرد المليشيا التي جلبها الحلو إلى المنطقة، وإما أن تنزلق المنطقة إلى فصل جديد من الصراع تُصبح فيه الثروات لعنةً إضافية على أهل جنوب كردفان. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تتصاعد أصوات ناقدة لعبد العزيز الحلو، ترى أن المشروع الذي رُفع يوماً تحت لافتات العدالة والحقوق يواجه اليوم أسئلة صعبة حول أولوياته الحقيقية، وحول مدى انسجام ممارساته مع تطلعات المواطنين الذين دفعوا كلفة الحرب والنزوح والانقسام لسنوات طويلة.
ويذهب منتقدو الحلو إلى أن أي تقارب أو ترتيبات تفتح المجال بصورة مباشرة أو غير مباشرة أمام تمدد قوى مسلحة داخل مناطق الموارد، أو تُفهم محلياً كتهديد لحقوق أصحاب الأرض، لن تُقرأ باعتبارها خطوة سياسية عادية، بل باعتبارها مقامرة خطيرة بمستقبل الإقليم ونسيجه الاجتماعي. فجنوب كردفان، المثخن بالجراح، لا يحتمل إعادة إنتاج أزمات جديدة تحت شعارات متبدلة، ولا أن يتحول الذهب إلى وقودٍ لمعركة نفوذ تُدفع فاتورتها من دماء البسطاء وأرزاقهم وأمنهم.
وفي النهاية، فإن الرسالة التي تخرج يرسلها أبناء كاودا تبدو واضحة: إن الأرض ليست سلعةً للمساومة، والموارد ليست غنيمة حرب، والمجتمعات المحلية ليست مجرد تفصيل يمكن تجاوزه في حسابات السلاح والسياسة. وأي مشروع يفقد ثقة الناس أو يتجاوز حساسياتهم التاريخية تجاه الأرض والحق والهوية، يضع نفسه عاجلاً أو آجلاً في مواجهة غضبٍ اجتماعي لا تصنعه السياسة وحدها، بل تصنعه أيضاً ذاكرة التهميش الطويل والخوف من ضياع ما تبقى.