إبراهيم شقلاوي يكتب: السودان.. تفكك الميدان وهندسة السياسة

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

السودان.. تفكك الميدان وهندسة السياسة

ما يجري في بلادنا هذه الأيام، أقرب إلى إعادة ترتيب شاملة لمسرح الحرب والسياسة. فالتوقيت الذي جاء فيه إعلان القائد الميداني علي رزق الله المعروف بـ“السافنا” انشقاقه عن مليشيا الدعم السريع، بالتزامن مع تسريبات عن حراك سعودي، لجمع القوى المدنية والسياسية، ثم الانفتاح المفاجئ على إثيوبيا بوساطة جيبوتية، كلها مؤشرات توحي بأن الملف السوداني ربما دخل بالفعل مرحلة انتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق هندسة ما بعد الحرب. والسؤال هنا: هل نحن أمام بداية تنفيذ غير معلن لاتفاق جدة الموقع في 11 مايو 2023 بشأن الترتيبات الأمنية والإنسانية؟

على المستوى العسكري، لا يمكن قراءة انشقاق “السافنا” بمعزل عن سلسلة التشققات التي ضربت بنية مليشيا الدعم السريع خلال الأسابيع الأخيرة.

فحين تبدأ أسماء ذات وزن ميداني مثل النور القبة والسافنا في مغادرة المليشيا وأخرى تنتظر اكتمال الترتيبات، فإن القضية تتجاوز الأشخاص إلى تفكك منظومة القيادة والسيطرة. في الحروب غير المتكافئة، لا يبدأ الانهيار عادة من الميدان، بل من داخل شبكات الولاء. وعندما يبدأ الولاء في الانتقال من محمد حمدان دقلو إلى موسي هلال ذلك يعني استعادة المراكز الصلبة وحكمة القيادة. وهذا يفسر لماذا أصبحت الانشقاقات الآن تحمل قيمة استخباراتية وسياسية أكبر من قيمتها العسكرية.

لكن اللافت في حالة “السافنا” أنه أعلن الانشقاق عن الدعم السريع، دون أن يعلن صراحة الانضمام إلى القوات المسلحة. وهذا تفصيل سياسي وأمني بالغ الأهمية. ففي الأعراف العسكرية، الخارج من التمرد ينتهي إما إلى الاستسلام الكامل للدولة أو إلى إعادة إنتاج نفسه كفاعل مستقل.

لذلك يبقى السؤال المهم : هل نحن أمام انشقاق فردي تمهيدًا للتسليم، أم أمام نواة تشكيل جديدة تنتظر الترتيبات؟ الإجابة هنا لا تتعلق بالسافنا وحده، بل بمدى جاهزية الدولة السودانية لاستيعاب موجة التفكك المتسارع داخل صفوف المليشيا عبر ترتيبات واضحة تشمل نزع السلاح والتأهيل، وإعادة الدمج أو التسريح، بعيدًا عن المدن ومراكز الاحتكاك المدني.

سياسيًا تبدو الصورة أكثر إثارة. فالتسريبات المتعلقة باستضافة الرياض لقاءات منفصلة مع مريم الصادق، وعمر الدقير، والواثق البرير، وبابكر فيصل، بالتزامن مع الحديث عن اجتماع مرتقب بين تحالف “صمود” والكتلة الديمقراطية في القاهرة، لا تبدو تحركات عادية. ما يجري أقرب إلى إعادة تجميع القوى المدنية تحت مظلة إقليمية جديدة، تقودها السعودية هذه المرة بصورة أكثر وضوحًا من السابق. وهذا يعني أن الرياض بدأت تتحرك متجاوزة وقف إطلاق النار إلى هندسة العملية السياسية .

إذا صح ذلك، فنحن أمام توافق إقليمي يجري بناؤه تحت لافتة “الحوار السوداني– السوداني”، لكن بشروط سياسية مسبقة، وهو ما يفسر كثافة الحركة السعودية، وعودة القاهرة إلى واجهة التنسيق، وتحركات جيبوتي على خط إثيوبيا. وحتى التهدئة المحتملة بين الخرطوم وأديس أبابا لا تبدو منفصلة عن هذا السياق، لأن أي تسوية داخلية في السودان تحتاج أولًا إلى تحييد الجبهات الإقليمية ومنع استخدام الحدود كمنصات لإعادة الحرب.

وهنا يصبح الربط مع اتفاق جدة ضروريًا. فالاتفاق لم يكن مجرد وثيقة إنسانية، بل منصة سياسية مؤجلة التنفيذ. وما يبدو الآن هو محاولة لإعادة تشغيل هذه المنصة، لكن بصيغة أكثر واقعية، تقوم على قاعدة: وقف النار أولًا، ثم إعادة تشكيل المشهد المدني، ثم إطلاق العملية السياسية.

غير أن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بمن سيكون داخل هذه المعادلة، ومن سيبقى خارجها. تصريحات د. عبد الله حمدوك الأخيرة للشرق، بشأن عدم وجود مكان للإسلاميين في العملية السياسية، تبدو أقرب إلى إعلان مبكر لشروط الدخول إلى التسوية القادمة.

غير أن حمدوك نفسه، يظل محاصرًا بإعلان أديس أبابا الذي وقعه مطلع 2024 باسم تنسيقية القوى المدنية مع مليشيا الدعم السريع، وهو إعلان وضعه، في نظر كثير من السودانيين، أمام أسئلة أخلاقية وسياسية وقانونية.

فالرجل الذي يطرح نفسه حاملًا لمشروع الدولة المدنية، يجد نفسه اليوم أمام سؤال جوهري: ما السند الذي يمنحه حق إقصاء تيار سياسي، بينما دخل في تفاهم مباشر مع قوة مسلحة ثبت تورطها، وفق تقارير دولية، في انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في الفاشر والجنينة وود النورة والسريحة، بعضها يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

من هنا لا يُقرأ خطاب حمدوك الأخير باعتباره مجرد موقف سياسي، بل باعتباره محاولة لإعادة تعريف الشرعية السياسية في السودان من خارج موازين الحرب القائمة على الأرض. غير أن هذه المحاولة تصطدم بواقع اجتماعي وسياسي مختلف تمامًا. فشريحة واسعة من السودانيين لم تعد تنظر إلى الإسلاميين من زاوية الصراع الأيديولوجي القديم، بل من زاوية انحيازهم إلى القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مواجهة مليشيا الدعم السريع، التي ارتبط اسمها في الوعي الجمعي بانتهاكات واسعة طالت البيوت والممتلكات والأعراض والبنية الاقتصادية للدولة.

وهكذا أعادت الحرب إنتاج مفهوم الشرعية داخل المجتمع السوداني، فلم تعد تُقاس بتاريخ الفاعل السياسي، بل بموقعه من معركة الدولة نفسها.

وعليه بحسب #وجه_الحقيقة، فإن أي مشروع لإعادة تشكيل المشهد السياسي قبل وقف الحرب، وحسم السلاح، وإنجاز العدالة، سيظل معرضًا لأن يُقرأ شعبيًا باعتباره محاولة لإعادة تدوير الأزمة لا تجاوزها. وفي قلب هذا المشهد، أصبح موقف عبد الله حمدوك أكثر إثارة للجدل، بعد أن نظر كثيرون إلى خطابه بوصفه أقرب إلى توفير غطاء سياسي للمليشيا، مقابل انتقاد متكرر للقوات المسلحة السودانية في منابر دولية.

وبين تصدعات الميدان، والحراك الإقليمي، وتبدل موازين القوة، يبدو السودان أمام لحظة قد لا تنهي الحرب بعد، لكنها ربما تؤسس لما بعدها: من يملك شرعية القوة… ومن يملك حق التحدث باسم الدولة.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 13 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com