حواشٍ ومتونٌ

ولألوانِ كلمةٌ

حسين خوجلي

حواشٍ ومتونٌ

(1)

كلما التقيتُ بقياديٍّ من حزبٍ سودانيٍّ يتوق إلى الحكم والاستمرار فيه، أوصيهم بإنشاء مدرسةٍ للكادر الحزبي، يُحفَظ فيها القرآن والحديث والسيرة والتفسير والفقه وأشعار العرب، ويتبحّر الدارسون فيها في العربية، وفي لغتين من لغات الفرنجة، كما يتعمقون في الأدب الشعبي السوداني، وأمثال السودانيين، وسِيَر أبطال العرب والمسلمين والسودانيين، وأبطال العالم، والتاريخ العالمي، مع جلساتٍ عميقة في السياسة والتاريخ والاقتصاد والفلسفة ومعضلات الأفكار، وفتحٍ كبير على القلب والعقل من الرقائق وأحاديث المتصوفة والصالحين.
فإن عرفوا كل هذه المعارف، واستساغوها، وخالطت القلبَ والعقلَ، فحتماً سيخرج من بينهم زعيم، خاصةً وأن هذه البلاد تفتقد إلى الأبطال وإلى الوارث الشرعي بعلمه وأدبه.
ومن نوادر النصائح ما قاله هذا الحكيم الذي أوصى بتعلّم الشعر إلى جانب ما ذكرناه آنفًا؛ فقد سُئل أحد العلماء: ما فائدة حفظ الشعر؟ فعدّد فوائده فيما يلي:
.1البيان : يكسب صاحبه ملكة بيانية، فتجده عذب المنطق، حلو العبارة، لا يستعصي عليه غالبا معنى
قال معاوية للحارث بن نوفل روّ ولدك فصيح الشعر، فإنه يفتح المنطق، ويطلق اللسان.
.2الاستشهاد : يرفِد صاحبه بمقولات وأمثال وتشبيهات واستعارات تصلح للاستشهاد بها عند موافقة موطنها
قال عروة: ما كان ينزل بعائشة رضي الله عنها شيء إلا أنشدت فيه شعرا.
.3الاحتجاج : يؤيد صاحبه بالحجة على ما يقول، فتراه حافظا للشاهد، حاضرا بالاستدلال
كان ابن جرير الطبري يحفظ شعر الطرماح ويفسر غريبه واحتج بشعره في مواضع من تفسيره.
.4الفهم : يثري صاحبه بالمخزون اللغوي، مفردات وأساليب, فيسهل عليه التفطن لفصيح الكلام
قال ابن عباس: إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه، فاطلبوه في أشعار العرب.
.5الأخلاق: يحلّي صاحبه بمكارم الأخلاق التي يزخر شعر العرب بالفخر بها، والثناء عليها
قال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده : علمهم الشعر، يمجدوا وينجدوا
.6الثقافة : يعطي صاحبه تصورا تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا عما كان عليه السالفون
قال عمر : كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه.
.7المعرفة: يدل صاحبه على كثير من الأعلام ويبصره بأخبارهم وأخلاقهم وسيرهم
قال ابن عبد ربه والشعر ديوان العرب خاصة، والمنظوم من كلامها، والمقيد لأيامها، والشاهد على أحكامها.
.8الخبرة : يعين صاحبه بتجارب السالفين وخبراتهم، فيزيده بذلك حكمة وبصرا وحذقا
قال الجرجاني والشعر مجنى ثمر العقول والألباب، ترى به آثار الماضين مخلدة في الباقين، وعقول الأولين مردودة في الآخرين.
(2)
إذا كانت لنا وصية للسودانيين بعد النكبة التي مرت بهم فإني لا أجد غير أبيات هذا الشاعر، والمذكرة التفسيرية بعدها للإمام الشهيد الخليفة علي بن أبي طالب، فعن سنان بن يزيد الديلمي قال: كنت مع مولاي جرير بن سهم التيمي، وهو يسير أمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضوان الله عليه – إلى الشام، فلم انتهى إلى مدائن كسرى، وقف مولاي ينظر، ثم تمثل:
جرت الرياح على محل ديارهم
فكأنما كانوا على ميعاد.
فإذا النعيم وكل ما يلهى به
يوماً يصير إلى بلىً ونفاد
فقال له علي رضوان الله عليه :أي شيء قلت؟
فأنشده الشعر.
فقال: هلا قلت: {كم تركوا من جنات وعيون }ثم قال: يا ابن أخي إن هؤلاء كفروا النعم، فحلت بهم النقم، فإياكم وكفر النعم، فتحل بكم النقم.
(3)
رحم الله أبا نصر الشاعر النحوي، الذي ظنّه الناس يوم رحيل الحبيب يقبض على صدره ناحية العناق، بينما كان الرجل يقبض على قلبه خوفَ السكون والتوقف المفضي إلى مقابر المدينة. وهي من الأبيات التي كان يتأسّى بها الشاعر محمد المهدي المجذوب، رغم أن شعره الخاص فيه الكثير من الإبانة والسلوى.
قال أبو نصر النحوي النيسابوري
ولمّا تدانوا للرّحيلِ وقُرِّبت
عِتاقُ المطايا والركابُ تَّسيرُ
وضعتُ على صدري يديَّ مُبادِرًا
فقالوا مُحبٌّ للعناقِ يشيرُ
فقلتُ ومن لي بالعناقِ وإنما
تداركتُ قلبي حين كادَ يطيرُ
(4)
كان المفكر نعوم تشومسكي مفكرًا أمريكيًا، وفيلسوفًا، ولغويًا، وناشطًا سياسيًا، وناقدًا اجتماعيًا. ويُطلق عليه أحيانًا لقب “أبو اللسانيات الحديثة”، كما يُعدّ تشومسكي شخصية بارزة في الفلسفة التحليلية وأحد مؤسسي مجال العلوم المعرفية.
وله عبارة شهيرة فضحته، وفضحت أمريكا، وفضحت العالم العربي؛ إذ يقول نعوم تشومسكي:
“إن الولايات المتحدة الأمريكية ستفعل كل ما في وسعها لمنع ديمقراطية حقيقية في العالم العربي.”
(5)
سألني أحد الزملاء الظرفاء عن عنوان لهذه الحكاية فقلت بلا تردد: إذا عرف السبب بطل العجب!. (ربي ما تحرم بيت من النسوان)
قيل لأعرابي: أتحب أبناءك الذكور أكثر أم الإناث ؟
فقال على الفور: الإناث!
قالوا: ولماذا؟
قال: أنا رجلٌ أكول، حين كنتُ صبيًا كانت أمي تطعمني من ألذ الطعام، ثم تزوجت فصارت زوجتي تطمعني ألذ مما كان عند أمي، ثم أنجبت بنتًا فوالله ما نظرتْ عيني إلى لقمةٍ إلا خصّتني بها ووضعتها في طبقي أو فمي، ثم أنجبت ولدًا فما نظرت عيني إلى لقمةٍ إلا أخذها العاق بيده وسبقني إليها فمه.
(6)
هنالك علاقة جذرية بين الالتقاء بالأشجار والمسنين، ومن أروع ما صادفته من الأمثلة مَثَلٌ يوناني يقول:
“يرتقي المجتمع عندما يزرع الرجال الكبار أشجارًا وهم يعلمون أنهم لن يجلسوا في ظلها.”
وأكرم من ذلك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:
«إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألّا تقوم حتى يغرسها فليفعل».
(7)
زارنا مرةً المرحوم المنشد محمد ود السني بالشرفة، وهو من أنصع الأصوات في إنشاد المديح الفصيح. وقد طلبتُ منه أن ينشدنا: «بروقُ الحيِّ لمّاعةٌ، ونفسُ الصبِّ طمّاعةٌ، ولكن هذه الساعة»، فابتسم، وفوجئتُ بأنه دخل على رائعةٍ أخرى للنابلسي، وهي قصيدةٌ يعرفها أهل الذوق والرقائق:
طلعت شمسنا على الأفلاكِ
فانمحت ظلمة النفوس الحلاكِ
وسرت نسمة الحمى فأهاجت
شوق صبٍّ ما إن له من حراك
هذه طلعة الحبيب بقلبي
فتنة العابدين والنسّاك
هيكل تسرح النواظر منه
في جمالٍ فردٍ بغير اشتراك
وبذات الغضا خيامُ عريبٍ
نُصِبَت بين عسجد فأراك
كلما أومضت بروقُ رباهم
هطل القطر من عيون البواكي