أعضاء بشرية وأسرى الحرب .. الجيش يعيد فتح أخطر ملفات المليشيا

أعضاء بشرية وأسرى الحرب .. الجيش يعيد فتح أخطر ملفات المليشيا

تقرير: مجدي العجب

لم تعد الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات التي التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع منذ ان شنت حربها ضد الدولة والمواطن في السودان مجرد روايات متفرقة أو شهادات متداولة، بل أخذت مع مرور الوقت تتراكم في صورة وقائع ومضبوطات تثير كثيراً من الأسئلة حول طبيعة الجرائم التي ارتُكبت في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع. وكانت تقارير إعلامية نُشرت خلال الأشهر الماضية قد تحدثت عن معلومات مروعة بشواهد مثبتة بشأن قيام المليشيا بسحب كميات من الدم من أسرى يتبعون للقوات المسلحة والقوات المساندة، إلى جانب مدنيين، فضلاً عن انتهاكات أخرى اكثر اجراما تتعلق باستئصال أعضاء بشرية من بعض الأسرى، وهي معلومات أثارت صدمة واسعة ودعوات متكررة إلى إجراء تحقيقات دولية مستقلة لكشف حقيقتها وتحديد المسؤولين عنها.

 

 

 

واليوم، يعود هذا الملف إلى الواجهة مجدداً بعد إعلان الجيش السوداني العثور على أجهزة تبريد متخصصة في حفظ ونقل الأعضاء البشرية، قال إنها تعود لشركة سويدية، وذلك في إحدى المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المليشيا. ويمنح هذا الإعلان بعداً جديداً للتساؤلات التي ظلت تتردد منذ أشهر حول طبيعة استخدام هذه الأجهزة، وما إذا كانت ترتبط بالمزاعم السابقة أم أن لها استخداماً آخر، وهو أمر لن تحسمه سوى التحقيقات الفنية والقضائية المختصة. غير أن توقيت العثور على هذه المعدات، في ظل ما سبق تداوله عن عمليات سحب الدم واستئصال الأعضاء، يضفي على القضية حساسية بالغة، ويجعلها واحدة من أخطر الملفات الإنسانية والقانونية التي أفرزتها الحرب، لما قد يترتب عليها – إذا ثبتت تلك الاتهامات بالأدلة – من مسؤوليات جنائية دولية ومطالبات بمحاسبة كل من يثبت تورطه في انتهاكات تمس الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

الجنجويد والاتجار بالبشر

ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي د. الرشيد محمد إبراهيم أن العثور على أجهزة متخصصة في حفظ ونقل الأعضاء البشرية داخل مواقع كانت خاضعة لسيطرة مليشيا الدعم السريع يمثل تطورًا بالغ الحساسية، ليس فقط من الناحية العسكرية، وإنما من الزاوية القانونية والإنسانية. ويقول الرشيد في حديث ل”ألوان” إن هذه المضبوطات تؤكد جليا جرائم المليشيا والى أي مدى لا تراعي إلا ولا ذمة في الانسانية، وبالتالي هي تأكيد لما أثير سابقًا بشأن سحب الدم واستئصال أعضاء أسرى من القوات المسلحة والقوات المساندة ومدنيين، فإنها قد تشكل قرائن مادية تستوجب فتح تحقيق دولي شامل، لأن مثل هذه الجرائم تعد من أخطر الانتهاكات التي يجرمها القانون الدولي الإنساني. ويضيف الرشيد في حديثه لنا قائلا: أن القضية تجاوزت حدود الصراع العسكري التقليدي، لتلامس ملفات الاتجار بالبشر والاعتداء على الأسرى والمدنيين، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم وتستلزم محاسبة كل من يثبت تورطه فيها. ويؤكد أن وجود مثل هذه الأجهزة في مسرح العمليات يفرض على الجهات العدلية والطب الشرعي والمنظمات الدولية المختصة إجراء فحوصات وتحقيقات دقيقة لتحديد طبيعة استخدامها، والكشف عن الجهات التي وفرتها وكيفية وصولها إلى تلك المناطق، مشيرًا إلى أن النتائج التي ستسفر عنها التحقيقات قد تكون ذات تأثير كبير على مسار المساءلة القانونية، وعلى تقييم المجتمع الدولي لما جرى خلال الحرب التي شنتها هذه المليشيا الأجيرة.

قضية جنائية دولية

فيما يقول الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور النور آدم أن العثور على أجهزة متخصصة في حفظ ونقل الأعضاء البشرية داخل مناطق كانت خاضعة لسيطرة مليشيا الدعم السريع يمثل مؤشراً بالغ الخطورة، ويستوجب التعامل معه بوصفه قضية جنائية دولية قبل أن يكون مجرد حدث ميداني مرتبط بسير العمليات العسكرية. ويضيف في حديثه ل “ألوان” إن ما أُعلن عن ضبط هذه الأجهزة يعيد إلى الواجهة التقارير التي تداولت في وقت سابق بشأن سحب الدم واستئصال أعضاء أسرى من القوات المسلحة والقوات المساندة، فضلاً عن مدنيين، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي والمنظمات المختصة عدم الاكتفاء بمتابعة التطورات العسكرية، بل التحرك لإجراء تحقيقات مهنية ومستقلة تكشف حقيقة هذه الوقائع. ويزيد في قوله أن أي أدلة مادية يتم العثور عليها في مسارح العمليات قد تشكل حلقة مهمة في بناء ملف قانوني متكامل. ويؤكد أن القانون الدولي الإنساني يمنح الأسرى حماية كاملة، وأي اعتداء على أجسادهم أو استغلالها، إن ثبت بالأدلة القضائية، يعد من أبشع الجرائم التي تستوجب الملاحقة والمساءلة أمام القضاء الوطني أو الدولي. ويشير آدم إلى أن الحرب في السودان لم تعد تُقاس فقط بنتائج المعارك، وإنما أيضاً بحجم الانتهاكات التي ستكشفها التحقيقات بعد انقشاع غبار القتال، مؤكداً أن توثيق الأدلة وحفظها وفق المعايير الجنائية سيظل العامل الحاسم في إثبات المسؤوليات، بعيداً عن السجال السياسي والإعلامي، وصولاً إلى تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي انتهاكات جسيمة.

 

الملف الاخطر في الحرب

ويبقى هذا الملف من أكثر الملفات حساسية في مسار الحرب إذ إن ما كُشف عنه يفرض ضرورة تحرك المجتمع الدولي، فهذه المليشيا أثبتت الحرب التي شنتها بأنها لا تراعي أو تمتثل لقانون دولي أو أخلاق أو قواعد اشتباك فإنما هي مجموعة من المرتزقة تبحث عن المال.
ويبقى هذا الملف من أكثر ملفات الحرب السودانية حساسية، إذ إن ما كُشف عنه يفرض على المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية التحرك العاجل لإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة. فقد أظهرت مجريات الحرب، وفق ما وثقته تقارير متعددة، اتهامات بوقوع انتهاكات جسيمة ارتكبتها مليشيا الدعم السريع.