قالوا الحجيج قطع
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
قالوا الحجيج قطع
شُعوبُكَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها
كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ
بِأَيمانِهِم نورانِ ذِكرٌ وَسُنَّةٌ
فَما بالُهُم في حالِكِ الظُلُماتِ
عشرة من عشرة
شهد النبي صلى الله عليه وسلم بأن أيام العشر من ذي الحجة هي أعظم أيام الدنيا، وأن العمل الصالح فيها أفضل منه في غيرها، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يارسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)
حاشية: أي أنه استشهد وأنفق ماله.
اغتنموا حج هذا العام
قال العلامة السعدي رحمه الله: أما ما في الحج من بذل الأموال، وتحمُّل المشقات، والتعرض للأخطار والصعوبات؛ طلبًا لرضا الله، والوفادة على الله، والتملق له في بيته وفي عرصاته، والتنوع في عبوديات الله في تلك المشاعر التي هي موائد مدَّها الله لعباده ووفود بيته، وما فيها من التعظيم والخضوع التام لله، والتذكر لأحوال الأنبياء والمرسلين، والأصفياء والمخلصين، وتقوية الإيمان بهم، وشدة التعلق بمحبتهم. وما فيها من التعارف بين المسلمين، والسعي في جمع كلمتهم، واتفاقهم على مصالحهم الخاصة والعامة مما لا يمكن تعداده، فإنه من أعظم محاسن الدين، وأجلِّ الفوائد الحاصلة للمؤمنين.
حاشية:
إن لم يكن حج هذا العام دعوة لإقامة الوحدة وإطلاق الاستعداد وإنارة الحواضر بالإسلام فعلى الدنيا السلام.
الصدقة من أفضل العبادات
قال ابن حجر رحمه الله:
فلقد دنتْ عشرٌ مباركٌ على
أهلِ التُّقَى والبرِّ والإحسانِ
هي أفضلُ الأيامِ في الدنيا فكنْ
فيها مُجِدًّا واسْتَبِقْ لجِنانِ
فاستقبِلوها بالعبادة واغنموا
فضلَ الإلهِ الواحد الديَّانِ
حاشية :
وفي ظني أن أفضل العبادة في هذه الأيام من غير الصلاة والصيام وقراءة القرآن هي البذل لليتامى والأرامل والفقراء حتى تضئ أنفسهم وتعبق أجسادهم بالعطر والجديد وينالون من لحوم الأضاحي ( الشَيَه والنَيَّه)، والشيه هي: خالص اللحمة على النار، والنَيَّة هي الكبدة ويُجملها (صحن أم فتفت مع برواز من البصل والشطة الخضراء والدكوة) وحمى الله ألسنتكم من السيلان والتلَمظ.
من حكايات الحجاج (يا سارقي الحجيج إياكم والخروع)
قال ابن الجوزي رحمه الله : حُدِّثت أن بعض التجار قدم من خراسان ليحجَّ، فتأهب للحج وبقي من ماله ألف دينار لا يحتاج إليها، فقال: إن حملتها خاطرت بها، وإن أودعتها خفت جحد المودع، فمضى إلى الصحراء فرأى شجرة خروع، فحفر تحتها ودفنها، ولم يره أحد، ثم خرج إلى الحج وعاد، فحفر المكان فلم يجد شيئًا، فجعل يبكي ويلطم وجهه، فإذا سئل عن حالته قال: الأرض سرقت مالي.
فلما كثر ذلك منه قيل له: لو قصدت عضد الدولة، فإن له ذكاء فطنة وكياسة، فقال: أو يعلم الغيب؟ فقيل له: ولكن لا بأس، بقصده، فذهب إليه وأخبره قصته، فجمع الأطباء، وقال لهم: هل داويتم في هذه السنة أحدًا بعروق الخروع؟
فقال أحدهم: أنا داويت فلانًا وهو من خواصك، فقال: عليَّ به فجاء، فقال له: هل تداويت في هذه السنة بعروق الخروع؟ قال: نعم، قال: من جاءك به؟ قال: فلان الفراش، قال: عليَّ به، فلما جاء، قال: من أين أخذت عروق الخروع؟ فقال: من المكان الفلاني، فقال اذهب بهذا معك فأره المكان الذي أخذت منه، فذهب معه بصاحب المال إلى تلك الشجرة، وقال: من هذه الشجرة أخذت، فقال الرجل: ها هنا والله تركت مالي، فرجع إلى عضد الدولة، فأخبره، فقال للفراش: هلم بالمال، فتلكَّأ، فأوعده وهدده، فأحضر المال.
حج مبرور وحاج مختلف
يقول الشيخ محمد الغزالي:
ذهبت إلى الحج وأثناء رمي الجمرات رأيت رجُلاً بعيداً عن الزحام يرجم بعيداً عن مكان تجمع الناس، يرمي حصيات ودموعه تغرق وجهه وهو في قمّة الخشوع والانسحاب من عالم الزّحام، ففهِمت أنّه الأقرب إلى مقاصد النُّسكُ، وعندما سألت عنه،قيل أنه من الجزائر واسمه مالك بن نبي.
وتبلى الحجارة مثل ما تبلى المواقيت
من طرائف الحج أنه كان رجل يحج كل عام وعند رمي الجمرات فتح حقيبة الحج في منى ووجد فيها حصى الجمرات معه من العام الماضي ، فلما أراد أن يرمي بها أفتاه رجل بقوله : انتهت صلاحيتها لابد أن تأخذ حصى جديدة.
حاشية:
ويبدو أن مؤسسات المواصفات والمقاييس قد أخذت تجربتها من هذه الحكاية.
الشعر أبهى بعد عرفات
ومن القصائد التي كان يتسلى بها الأدباء والشعراء بعد انقضاء أيام الحج والوقوف بعرفات ، قصيدة شوقي، وهي من القصائد التي يظن أي حاج مهما كانت درجته في الوظيفة والرزق والعمر بأنها له، ونُهديها للحجيج فإنهم يحتاجون لساعة تسلية بعد وعثاء أيام الحج المباركة، ويظل الحديث باقياً ( ساعة فساعة).
يقول أميير الشعراء في قصيدة عرفات:
إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَيرَ زائِرٍ
عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ في عَرَفاتِ
وَيَومَ تُوَلّى وُجهَةَ البَيتِ ناضِراً
وَسيمَ مَجالي البِشرِ وَالقَسَماتِ
عَلى كُلِّ أُفقٍ بِالحِجازِ مَلائِكٌ
تَزُفُّ تَحايا اللَهِ وَالبَرَكاتِ
إِذا حُدِيَت عيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم
لِعيسِكَ في البَيداءِ خَيرُ حُداةِ
لَدى البابِ جِبريلُ الأَمينُ بِراحِهِ
رَسائِلُ رَحمانِيَّةُ النَفَحاتِ
وَفي الكَعبَةِ الغَرّاءِ رُكنٌ مُرَحِّبٌ
بِكَعبَةِ قُصّادٍ وَرُكنِ عُفاةِ
وَما سَكَبَ الميزابُ ماءً وَإِنَّما
أَفاضَ عَلَيكَ الأَجرَ وَالرَحَماتِ
وَزَمزَمُ تَجري بَينَ عَينَيكَ أَعيُناً
مِنَ الكَوثَرِ المَعسولِ مُنفَجِراتِ
وَيَرمونَ إِبليسَ الرَجيمَ فَيَصطَلي
وَشانيكَ نيراناً مِنَ الجَمَراتِ
إِذا زُرتَ يا مَولايَ قَبرَ مُحَمَّدٍ
وَقَبَّلتَ مَثوى الأَعظَمِ العَطِراتِ
وَفاضَت مَعَ الدَمعِ العُيونُ مَهابَةً
لِأَحمَدَ بَينَ السِترِ وَالحُجُراتِ
وَأَشرَقَ نورٌ تَحتَ كُلِّ ثَنِيَّةٍ
وَضاعَ أَريجٌ تَحتَ كُلِّ حَصاةِ
لِمُظهِرِ دينِ اللَهِ فَوقَ تَنوفَةٍ
وَباني صُروحِ المَجدِ فَوقَ فَلاةِ
فَقُل لِرَسولِ اللَهِ يا خَيرَ مُرسَلٍ
أَبُثُّكَ ما تَدري مِنَ الحَسَراتِ
شُعوبُكَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها
كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ
بِأَيمانِهِم نورانِ ذِكرٌ وَسُنَّةٌ
فَما بالُهُم في حالِكِ الظُلُماتِ
وَذَلِكَ ماضي مَجدِهِم وَفَخارِهِم
فَما ضَرَّهُم لَو يَعمَلونَ لِآتي
وَهَذا زَمانٌ أَرضُهُ وَسَماؤُهُ
مَجالٌ لِمِقدامٍ كَبيرِ حَياةِ
مَشى فيهِ قَومٌ في السَماءِ وَأَنشَئوا
بَوارِجَ في الأَبراجِ مُمتَنِعاتِ
فَقُل رَبِّ وَفِّق لِلعَظائِمِ أُمَّتي
وَزَيِّن لَها الأَفعالَ وَالعَزَماتِ