حكاية من دفتر العودة

ولألوان كلمة

 

حسين خوجلي

حكاية من دفتر العودة

1
اتصل بي أحد الأصدقاء من السودان وهو يبكي ويحكي حالته بكلمات مفعمة بالصدق رغم شجن المفردات، قال لي أستحلفك بالله وبحق الأخوة القديمة يا أستاذ حسين أن تكتب حكايتي كاملة غير منقوصة ولك حق البيان والتزيين والترصيع.
فقد وصلت إلى منزلي بأمدرمان مع أسرتي بعد النكبة فلم أجد فيه إلا التراب. هرع إلينا الجيران بنجدة السودانيين المعهودة التي لم يستطع هؤلاء الأوغاد اقتلاعها من قلوب هؤلاء السمر الميامين ، وتوالت النجدة والإغاثة سرير من ذاك ولحاف من هذه ومنضدة وطعام وموقعد وما انصرمت ساعات ذلك اليوم إلا وجدنا أن منزلنا أصبح بالحد الأدنى صالح للإستعمال الآدمي.
وقد قررت بعد هذا التعاطف النبيل في صباح اليوم التالي مجابهة الحياة بيقين كامل فبعد أن أديت صلاة الفجرمع ابني في المسجد المجاور ضمتنا حلقة التلاوة وأفاض علينا جارالمسجد بقدح من (الزلابية) والشاي (الصاموطي) الذي تسلل إلى عروقنا في رفق وأعاد لنا السكينة و ذياك البريق.
وعندما عُدت إلى المنزل تذكرت إني أحتفظ في حقيبة العودة بمؤلف صغيرعن الأدعية المأثورة، وسبحان الله يا أستاذ ما إن فتحت إحدى الصفحات بالصدفة حتى وقع بصري على حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وكنت حينها مُثقلا بالفاقة والسقم والدين والهم وضياع الوطن.
فقد روى أبو داؤود من حديث أبي سعيد الخدري قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني، وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى عنك دينك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي، وقضي عني ديني).

وبمثل ما أَظَلَ هذا الدعاء نفس أبي أمامة وأزال كربة فقد فعل بي والحمد لله ، فقَبلَ أن أُكمل أسبوعاً بالسودان حتى طرق بابي صديق قديم له مجموعة (مغالق) لأدوات البناء والتشييد، قال لي في ترحاب ومودة بعد استعادنا ماضي الذكريات ، لقد عملت من أحد الإخوة بعودتك وأنت في ظني رجل موثوق وصاحب تجربة في المحاسبة والإدارة فإن رضيت فإني سأوكل لك الإشراف على أعمالي إدارة وإشرافاً ومحاسبة ومشتريات، وأنت كما تعلم انا رجل كثير التسفار وقد اخترتك لثقتي فيك وفي تجربتك العملية .
شكرت له صنعه وقبلت عرضه المغري حيث لا خيار، وكانت دهشتي عظيمة عندما زارني في اليوم التالي ومعه ثلاجة وبوتجاز وكل ما يلزم البيت وسلمني مفتاح سيارة نصف نقل ( لنج) لأتابع بها العمل ولمشاويري الخاصة وراتب ثلاثة أشهر مقدماً، ولله الحمد فقد تحول أمري من حال إلى حال وأذهب الله عني الدين والفقر والعوز والفاقة وقد أرجعت كل ذلك لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ودعاه الذي داومت عليه (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)
وإني لأستحلفك بالله أن تكتب عني هذه الحكاية وتوثق عني هذا الدعاء المبارك الذي أسأل الله أن يكون صدقة جارية لي ولك ولكل الموزعين لنصه الكريم.
قلت له ممازحاً إني أعلم يا صديقي العزيز أن الآلاف من الناس يحتفظون بهذا الحديث ويحفظونه ويرددونه ورغم ذلك لم يتبدل حالهم لأن الدعاء لم يكن من القلب بل كان من الشفاه، و(الشفاه) إذا لم يُجمِلها الصدق فلم تفيد في (الشفاء)، وأنت في ظني رجل مخلص وصادق ولذا فقد تحولت الأذكارعندك إلى نبع وثمار.

2
قال أبو هارون: دخلت على أبي حازم، فقلت له:
يرحمك الله ما شكر العينين: قال: إذا رأيت بهما خيراً ذكرته، وإذا رأيت بهما شراً سترته، قلت: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا حفظته، وإذا سمعت بهما شرا نسيته.
حاشية:
كان أبو هارون أول أخصائي في الأذن والأنف والحنجرة وأضاف لها جراحة العيون.

3
رسالة عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري
بِسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. سلام عليك، أما بعد، فإنَّ القَضاء فَريضة مُحكَمَة، وسُنّة مُتَّبَعة، فَافهَم إذا أُدْلِيَ إِليْك، فَإِنَّهُ لا يَنفع تَكلم بِحقّ لا نَفَاذ لَه.
آسِ بَينَ النَّاس بِوَجهِك وعَدْلِك ومَجلسك، حتّى لا يَطمَع شَريف في حَيْفِك، ولا يَيأَس ضَعيف مِن عَدلِك، البَينّة على مَن ادَّعى، واليَمين على مَن أَنْكَر، والصُّلح جَائِز بَين المُسلمين إلّا صُلحَاٌ أَحلَّ حَرَامَاٌ، أو حَرَّم حَلالاٌ. لا يَمنَعُنك قضاءٌ قضَيته اليَوم فَراجعتَ فيه عَقلك وهُديت فيه لِرُشدِك أنْ تَرجِعَ إلى الحَقّ فإنَّ الحقّ قَديمٌ ومُراجَعَة الحَقّ خير مِن التمادي في البَاطل.
الفَهْم الفَهْم فِيما تلجلج في صَدْرك مِمّا ليس في كِتاب ولا سُنَّةٍ، ثُمَّ اعرف الأَشباه والأَمثال، فَقِسْ الأُمور عِنْدَ ذلك، واعمِدْ إلى أَقربِها إِلى الله، وأَشبهِها بِالحَقّ، واجْعَل لِمن ادْعَى حَقاً غائباً أو بَيّنة أمدا يَنْتَهي إليها فإِنْ أَحضَرَ بَينته أخذَتْ لَهُ بِحَقِّه وإلّا استحللت عَليه القَضيّة، فَإِنَّه أَنفَى للشَّك وأَجلى للعَمَى.
المُسلمون عُدولٌ بَعْضَهُم على بَعض إلّا مَجلوداً في حدّ ومُجَرَّبَاً عليه شَهَادِة زُور أو ظَنيَّناً في وَلاء أو نَسَب، فِإن الله تَوَلى مِنْكُم السرائِر ودَرأ بِالبَينات والإيمان. وإيَّاكَ والغَلق والضَجَر والتَّأذي بِالخُصوم والتنكر عِندَ الخُصومات، فإنَّ الحَقّ في مَواِطن الحَقّ ليعظم الله بِهِ الأَجر، ويحسن به الذخر فَمَن صَحَّت نِيَّته وأَقبَل على نَفْسِه كَفَاهُ الله بَيْنَه وبَيْنَ النَّاس ومَنْ تَخَلَّقَ للنَّاس بِما يَعلم الله أنَّه ليس مِنْ نَفْسِه شانه الله، فَما ظَنك بِثَواب غير الله -عَزَّ وجل- في عاجل رِزقه وخَزائِن رَحمته، والسلام.
حاشة :
والله العظيم وكتابه الكريم لو كان لي أمر في القضاء أو المحاماة، فإني لن أمنح رخصة لأحدهم إلا إذا سَمَّع أمامي (صم) خطبة الفاروق هذه في أمر القضاء والعدالة مع الشروحات والتوضحيات.

4
وَتينَةٍ غَضَّةِ الأَفنانِ باسِقَةٍ
قالَت لِأَترابِها وَالصَيفُ يَحتَضِرُ
بِئسَ القَضاءُ الَّذي في الأَرضِ أَوجَدَني
عِندي الجَمال وَغَيري عِندَهُ النَظَرُ
لَأَحبِسَنَّ عَلى نَفسي عَوارِفَها
فَلا يَبينُ لَها في غَيرِها أَثَرُ
كَم ذا أُكَلِّفُ نَفسي فَوقَ طاقَتِها
وَلَيسَ لي بَل لِغَيري الفَيء وَالثَمَرُ
لِذي الجَناح وَذي الأَظفارِ بي وَطَرٌ
وَلَيسَ في العَيشِ لي فيما أَرى وَطَرُ
إِنّي مُفَصِلَةٌ ظِلّي عَلى جَسَدي
فَلا يَكونُ بِهِ طول وَلا قِصَرُ
وَلَستُ مُثمِرَةً إِلّا عَلى ثِقَةٍ
إِن لَيسَ يَطرُقُني طَير وَلا بَشَرُ
عادَ الرَبيعُ إِلى الدُنيا بِمَوكِبِهِ
فَاِزَّينَت وَاِكتَسَت بِالسُندُس الشَجَرُ
وَظَلَّتِ التينَةُ الحَمقاءُ عارِيَةً
كَأَنَّها وَتَدٌ في الأَرضِ أَو حَجَرُ
وَلَم يُطِق صاحِبُ البُستانِ رُؤيَتَها
فَاِجتَثَّها فَهَوَت في النارِ تَستَعِرُ
مَن لَيسَ يَسخو بِما تَسخو الحَياةُ بِهِ
فَإِنَّهُ أَحمَقٌ بِالحِرصِ يَنتَحِرُ

حاشية:
مثلما اشتهر شوقي في استنطاق الحيوانات فقد اشتهر أبو ماضي في استنطاق الطبيعة والأزاهير والينابيع، وقد ساعده في هذا الاستنطاق، هذه اللغة الهينة اللينة الموحية بدلالاتها ومعانيها.
وقصيدة التينة هذه اشتهرت وتصلح لأدب الأطفال لتنمية اللغة والخيال والتأمل في الطبيعة وربطها بأحوال البشر، وقد استوقفتني عبارته الشعرية والمونقة الرائعة:
عادَ الرَبيعُ إِلى الدُنيا بِمَوكِبِهِ
فَاِزَّينَت وَاِكتَسَت بِالسُندُس َالشَجَرُ