أيام الله السبعة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

 

أيام الله السبعة

1
السبت

شهدتُ جلسةَ حوارٍ حول ضرورة تواصل الجماهير مع المثقفين والساسة، وبالرغم من أنني جئتُ مستمعًا، إلا أن مقدم الجلسة ومدير الحوار طلب مني التعليق، فأفسد عليَّ متعة مهنة الصحفي من مقاعد المتفرجين. ولم يكن هنالك مجال للاعتذار، خاصةً وأنني لم أكن مستعدًا للمناقشة، ولكن بيت الضبع لا يخلو من العظام.
قلتُ معلقًا: إني أعترض على عنوان مبادرة الحوار، فكان الأجدى أن يكون (ضرورة تواصل المثقف والسياسي مع الجماهير)، ففي ظني أن كل الشعوب التي نهضت كان سبيلها الأول للنهضة هو في تواضع قادتها ونزولهم من عرش الوظيفة إلى تراب الجماهير، لما تملكه من عبقرية الفطرة وخصيب التجارب، مما يتجاوز كل ادعاءات التكنوقراط ومزاعم الأفندية لهذه الأستاذية الكذوب.
واستدللتُ بحكاية الفقهاء الذين ضلوا طريقهم في بيداء مجدبة، وقد انقطع عنهم الماء والطريق، وكانت فرحتهم عامرة حين رأوا على البعد خيمةً لبدوي نُصبت في قلب الصحراء. خيمةٌ ورجلٌ وناقة. استقبلهم في بشاشة، وقدم له الماء واللبن والتمر، وأذهب عنهم الوحشة والخوف والعطش والجوع، وبدؤوا يتسامرون معه، وقد أعجبهم كرم الرجل وأريحيته ولطفه، رغم قسوة الطبيعة التي يعيش فيها.
قال له أحدهم: هل تعرف يا أخا العرب كيف تدعو الله؟ قال: نعم. قالوا: كيف؟ فقال: إني أدعوه في دبر كل صلاة: اللهم يا من منحتنا الإسلام دون أن نسألك، نسألك أن تمنحنا الجنة ونحن نُلِحُّ في السؤال.
ورغم علمهم وفقههم، فقد أخرستهم الإجابة، فطلبوا منه أن يصحبهم إلى الحضر ليصبح شيخًا لهم وإمامًا، فقال مبتسمًا: خذوا زادكم وانصرفوا، فإني على عجلٍ من أمري، فلي عنيزات من وراء ذلك الوادي تنتظرني للسقيا.

2
الأحد

إن مقولة الجاحظ هذه تصلح لتصبح برنامج عمل وتثقيف لأصحاب المهن والخارجين طمعا عن أقدارهم ومواهبهم وإمكاناتهم فأقلقوا بهذا الطمع أنفسهم وأقلقوا المجتمع وأرجو أن ترسلوها لعصابة دقلو على أن يتولى النور حمد التفسير! قال صاحب البيان والتبيين والبخلاء الجاحظ:
إنما خالف الله تعالى بين طبائع الناس ليوفق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلهم الملك والسياسة والتجارة والفلاحة وفي ذلك بطلان المصالح، وذهب المعايش، فكل صنف من الناس مزين لهم ما هم فيه، فالحائك إذا رأى من صاحبه تقصيرا أو خلفا قال: ويلك يا حجّام والحجام إذا رأى مثل ذلك من صاحبه قال: ويلك يا حائك، فجعل الله تعالى الاختلاف سببا للائتلاف، فسبحانه من مدبر قادر حكيم، ألا ترى إلى البدوي في بيت من قطعة خيش معمد بعظام الجيف كلبه معه في بيته لباسه شملة من وبر أو شعر، ودواؤه بعر الإبل وطيبه القطران وبعر الظباء، وحليّ زوجته الودع، وثماره المقل، وصيده اليربوع وهو في مفازة ،لا يسمع فيها إلا صوت بومة، وعواء ذئب وهو قانع بذلك مفتخر به.

3
الاثنين

من فاتهم حج هذا العام عليهم أن يصطحبوا نصيحة المصطفى هذه فهذا مقام تطهر فيه العجلة فبادروا بالتعجل إلى طلب الخير وآداء الشعيرة في العام القادم إن مد اللله في الآجال وإلا فإن النيات تكفي.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة).

4
الثلاثاء

ولأن الزمان السوداني هذه الأيام تكثر فيه المؤتمرات والمنتديات والسمنارات فإن وصايا جعفر بن محمد قدس الله سره تصلح ان تصبح مداخل لكل الراغبين في حوار وخطاب واستشارة، فالتأدب في الاستارة يفضي إلى التأدب في الاستنارة.
قال جعفر بن محمد: لا تكونن أول مشير، وإياك والرأي الخطير، وتجنب ارتجال الكلام، ولا تشيرن على مستبد برأيه، ولا على متلون، ولا على لحوح.
وقيل: ينبغي أن يكون المستشار صحيح العلم، مهذب الرأي، فليس كل عالم يعرف الرأي الصائب، وكم ناقد في شيء ضعيف في غيره.
قال أبو الأسود الدؤلي:
وما كلّ ذي نصح بمؤتيك نصحه
وما كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد
فحقّ له من طاعة بنصيب.

5
الأربعاء

ما يميز الإمام الشافعي علمه وتقواه وتواضعه في طلب العلم من المشايخ حتى أنه كان يتعلم للذين هم أدنى منه فقها ومعرفة وفوق ذلك كان شاعرا وقد أكسبه الشعر رقة المبانيو حكمة المعاني، ودليلنا على ذلك هذه الستة.
يقول الشافعي:
أخي لن تنال العلم إلا بستة
سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة
وصحبة أستاذ وطول زمان.

6
الخميس

لست أدري بمن يعجب القاريء، بهذه الجارية الصالحة أم بهذا الشيخ التائب! فكم من أمير تائب توسد طوبة وكم من فقير فاسق توسد قطنا وخزا.
كان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوما ففاتته الصلاة فجاءته جارية له بجمرة، فوضعتها على رجله، فانتبه مذعورا فقالت له: إذا لم تصبر على نار الدنيا، فكيف تصبر على نار الآخرة. فقام فصلّى الصلوات، وتصدق بما يملكه وذهب يبيع البقل، فدخل عليه فضيل وابن عيينة، فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء، فقالا له: إنه لم يدع أحد شيئا إلا عوضه الله منه بديلا، فما عوضك عما تركت له؟ قال: الرضا بما أنا فيه.

7
الجمعة

خطورة نصيحة سعد بن أبي وقاص المبشر بالجنة أن المصطفى صلى الله عليه وسلم حين يراه مطلا مع أصحابه يقول متهللا من له خال كخالي؟ وقد دعا له اللهم أجب دعوته وسدد رميته وكان صحابة المصطفى في الغزوات يدركون ذلك فإذا استعصت عليهم المعركة قالوا له يا سعد أدعو لنا وسدد عنا. قال رضي الله عنه وهو ينصح ابنه وهو نصيحة ارجو أن يقتدي بها الآباء ويزعن لها الابناء:
قال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: يا بني إذا طلبت الغنى، فاطلبه في القناعة، فإنها مال لا ينفذ، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس، فإنك لم تيأس من شيء إلا أغناك الله عنه.