
ثورة مايو 1969م .. انقلاب الفجر الذي غيّر وجه السودان
اعداد: القسم السياسي
في فجر الخامس والعشرين من مايو 1969، تحوّل المشهد السياسي في السودان بشكل دراماتيكي، حين أعلن ضباط من الجيش، بقيادة جعفر نميري، استيلاءهم على السلطة عبر انقلاب عسكري عُرف لاحقًا بـ«ثورة مايو». جاء هذا التحول في لحظة سياسية شديدة التعقيد، حيث كانت البلاد تعيش حالة من عدم الاستقرار، نتيجة صراعات حزبية حادة أعقبت ثورة أكتوبر 1964 التي أنهت حكم الفريق إبراهيم عبود، لكنها لم تنجح في تأسيس نظام ديمقراطي مستقر. ولم تكن الأحزاب السياسية قادرة على تحقيق توافق وطني أو تشكيل حكومات مستقرة، إذ تكررت الأزمات البرلمانية والانقسامات داخل القوى التقليدية، ما خلق حالة من الإحباط العام، خاصة داخل المؤسسة العسكرية. وفي ظل هذا المناخ، برز تنظيم «الضباط الأحرار» كقوة منظمة داخل الجيش، مستلهمًا تجارب مشابهة في المنطقة، ليقود انقلابًا سريعًا سيطر على مفاصل الدولة دون مقاومة تُذكر.
أعلن النظام الجديد منذ ساعاته الأولى مجموعة من الأهداف الطموحة، تمحورت حول بناء دولة قوية مركزية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على الفساد، إلى جانب تبني توجهات اشتراكية وقومية عربية. وقد وجد هذا الخطاب قبولًا نسبيًا في أوساط قطاعات من المجتمع، خاصة في ظل التذمر من الأداء السياسي للأحزاب التقليدية.
في سنواته الأولى، اعتمد نظام مايو على تحالف وثيق مع القوى اليسارية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي السوداني، الذي لعب دورًا مؤثرًا في صياغة السياسات العامة. وتم تنفيذ عدد من الإجراءات الاقتصادية، أبرزها التأميم والمصادرة، في محاولة لإعادة توزيع الثروة وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد. غير أن هذا التحالف لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما تفجرت الخلافات داخل السلطة نفسها.
شكلت أحداث يوليو 1971 نقطة مفصلية في تاريخ الثورة، عندما قاد ضباط محسوبون على التيار الشيوعي محاولة انقلابية ضد نميري، عُرفت بـ«حركة هاشم العطا». ورغم نجاحها المؤقت، إلا أن نميري عاد إلى السلطة خلال أيام قليلة، ليبدأ مرحلة جديدة اتسمت بالقطيعة مع اليسار، واتخاذ إجراءات صارمة ضد خصومه السياسيين.
بعد ذلك، دخل النظام في تحولات أيديولوجية واضحة، حيث انتقل من التحالف مع اليسار إلى التقارب مع القوى التقليدية، ثم لاحقًا مع التيار الإسلامي، خاصة في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. وقد تُوج هذا التحول بإعلان قوانين سبتمبر 1983، التي نصت على تطبيق الشريعة الإسلامية، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخليًا وخارجيًا.
على صعيد آخر، شهدت فترة حكم مايو بعض الإنجازات، أبرزها توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي أنهت الحرب الأهلية في جنوب السودان لفترة قاربت عقدًا من الزمان، واعتُبرت آنذاك خطوة مهمة نحو تحقيق السلام والاستقرار.
كما توسعت الدولة في إنشاء مؤسسات خدمية وبنى تحتية، وإن كانت هذه الإنجازات قد تباينت في أثرها واستدامتها.
غير أن هذه النجاحات لم تمنع تراكم الأزمات، إذ واجه النظام تحديات اقتصادية متزايدة، تمثلت في تدهور العملة وارتفاع معدلات التضخم، إلى جانب تصاعد الاحتجاجات الشعبية والنقابية. كما أدت السياسات السياسية المتقلبة إلى إضعاف القاعدة الاجتماعية للنظام، خاصة مع تراجع الحريات العامة وتضييق المجال السياسي.
وفي منتصف الثمانينيات، بلغت الأزمة ذروتها، حيث خرجت مظاهرات واسعة في مختلف أنحاء البلاد، مدفوعة بتدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار. وفي أبريل 1985، انحازت القوات المسلحة إلى جانب الشعب، معلنة نهاية حكم مايو، بعد 16 عامًا من السيطرة على السلطة، في واحدة من أبرز الانتفاضات الشعبية في تاريخ السودان الحديث.
وتمثل ثورة مايو 1969 محطة مفصلية في تاريخ السودان، ليس فقط لأنها أنهت تجربة ديمقراطية، بل لأنها أعادت تشكيل العلاقة بين الجيش والسياسة، ورسّخت نموذج الحكم العسكري الذي ظل حاضرًا في فترات لاحقة من تاريخ البلاد. كما أنها تعكس بوضوح إشكالية التحول الديمقراطي في السودان، حيث تتكرر دورات الانتقال بين الحكم المدني والعسكري دون الوصول إلى استقرار دائم.
ورغم مرور عقود على تلك التجربة، لا تزال «مايو» حاضرة في الذاكرة السياسية السودانية، بين من يرونها مشروعًا وطنيًا حاول بناء دولة قوية في ظروف معقدة، وبين من يعتبرونها بداية لمسار طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية. وفي كل الأحوال، تبقى هذه الثورة واحدة من أهم الأحداث التي شكّلت ملامح السودان الحديث، وأثّرت بعمق في مسار تطوره السياسي حتى اليوم.