إسحق أحمد فضل الله يكتب: (نقرزان العيد)

مع إسحق

إسحق أحمد فضل الله

(نقرزان العيد)

والنقرزان هو نوع من الهينمة… والهينمة هي شيء له صفة الضحك… حاول أن تصف الضحك، لن تستطيع، ولا البكاء، ولا أيًّا من المشاعر…
وفي القاموس هذا تجد الحزين يهينم، والطروب يهينم، ومن ينغمس في عمل يدوي طويل يهينم.
والكاتب الذي يجد أنه يخطب في الصحراء يهينم.
والفيلسوف سينيكا، حين يطارده الجنود لقطع رأسه، ويوقفون عربته، ويطلبون منه النزول… لا ينزل، ويكتفي بإبراز رأسه لهم من نافذة العربة ليقطعوه.
وشكسبير يرسم هذا، فحين ينطلق الجمهور المهتاج بحثًا عن أحد قتلة القيصر، واسمه قورث، يقبضون أحدًا بهذا الاسم، ويهتفون:
“اقتلوه… فهو متآمر.”
والرجل يقول لهم إنه ليس هو قورث المتآمر، وإنه قورث الشاعر المعروف.
وهنا يصيح البعض:
“لا… هذا ليس قورث المتآمر، بل هو قورث الشاعر… ولكن اقتلوه لأن أشعاره قبيحة.”
الكتاب اليوم في السودان، لعل بعضهم لا يبالي بالنزول لقطع رقبته، ولا هو يبالي بجدال الجماهير لإثبات أنه ليس قورث المتآمر، ولا أنه قورث الشاعر.
والكتاب في السودان الآن، إن وجدوا، يكتفون بالهينمة…
(2)
والمعرفة بعضها بلاء.
وفي واحدة من قرى شرق النيل كان هناك شيخ ينظر يومًا إلى سخلة تمر به، ويقول:
“هذه السخلة لا بد أنها من ماعز فلان التي فقدها العام الأسبق.”
والسخلة كانت كذلك بالفعل…
شيء قوي في النفس يشرب الأجواء حوله، ويسكب قوته بحجم هذه الأجواء…
وفي صحراء حياتنا يضيع جيل وأجيال.
وجيل يجهل الحياة والدنيا، ويظل يظن أن السياسة هي أن يهتف لفلان.
وساسة يستخدمون هذا، ويقودون جيلين أو ثلاثة بهذا الفهم.
وكلهم يصبح صنمًا يطوف الناس حوله.
وجيل يظن أن الحياة هي أن يربط الكرفتة، وأن يشرب هيج…
وعبد الله الطيب يحكي عن كيف أصبحت الطالبات في جامعة الخرطوم يجعلن البيرة في زجاجات الكولا.
قال:
“وكان هذا أول الوهن.”
وما كان مصيبًا، فأول الوهن لم يكن هو هذا…
الكاتب الآن في السودان لا يغرف إلا في هينمة عنترة…
(وعنترة يصف حال السكران في الظهيرة، وهو يحدق في الذبابة، والذباب، هزجًا، يحك ذراعه بذراعه، والذباب يفعل ذلك).
الكاتب في السودان اليوم، ما يجعله يلغي عقله ليس هو هذا الحال…
ما يجعل الكاتب أسوأ حالًا هو وجود من يمسكون بحلقومه لمنعه حتى من البكاء…
وبعضهم ما يزال يهتف لقحت التي (……) أمهاتهم…