سوق الداخلة بعطبرة .. قصص من الفرح مع حكايات (ود فرح)

سيرة في النشأة والتأسيس والأسماء الأولى

سوق الداخلة بعطبرة .. قصص من الفرح مع حكايات (ود فرح)

 

بقلم: هشام عباس زكريا

سوق حي الداخلة بمدينة عطبرة حياة تنبض بالتواصل، ومنتدى يومي يفوح بشذى الحب، وينضح بالجلسات البريئة والقفشات والضحكات والحكايات والقصص التي لا تنتهي. هي قصص سارحة في فضاء التاريخ، كتبها عظماء بمواقف إنسانية خلدت التجارة القائمة على الصدق والنزاهة والتعاون. عاصرنا بعضهم في الثمانينيات والتسعينيات وسمعنا عن أكثرهم، وفي السوق تفاصيل دقيقة تبدأ من الغرب إلى الشرق. في الواجهة الجنوبية يوجد مخبز الحاج الورع محمد عثمان متولي، واسم الفرن الشهير هو (علم السودان). كانت اللافتة الأسمنتية أعلى المخبز، وأتمنى أن تكون موجودة، فهي إرث هذا الرجل العظيم. وبعد ذلك محلات الحاج ميرغني الدابي، ثم دكان العم عبد الماجد رحمة الذي استمر لمدة طويلة، لذا هو في ذاكرتنا باختياره الأنيق لأقمشة جلاليبه وهدوئه. ثم بعد ذلك دكان الحاج الخليفة عثمان الفكي (أبوشنب)، وقد روى لنا ابنه العم الحاج المرحوم محمد عثمان (أزرق) قصصاً من العطاء والحكمة والمواقف النبيلة قادها الرجل الإنسان الحاج (أبوشنب) في دكانه العامر. ثم بعد ذلك دكان الحاج عبد الله الحسين بهيبته المعهودة، وبجانبه العم عثمان وهو يمارس مهنة التفصيل، وأنشأ مصلى في فضاء الدكان فكان مقصد الخير، وهكذا عاش ومات العم عثمان. ثم بعد ذلك دكان العم إدريس الذي كان يتسم بالنظافة والنشاط وحسن الترتيب، ومن بعده دكان صديق دبلان وابنه سيف، ثم محلات العم عقلان عبد المجيد، ومحل لصيانة الدراجات الهوائية لصاحبه العم خليفة عبادي، ولنا معه قصص من البذل والعطاء وخدمة الناس. ثم بعد ذلك محلات خلف الله البابو وشقيقه حميدتي، وتأتي بعد ذلك محلات الحلاقة لصاحبها محمد أسد الله من منطقة العسيلات، ثم قهوة وداعة وابنه الفنان محمود الذي كان يثري ساحات نادي المجد بالغناء بجانب الفنان محمد بلال. وبعد ذلك دكان الحاج عجيب دفع الله بعد أن تقاعد في وظيفة سائق قطار، وكان ضمن أوائل سائقي القطار الذين سودنوا هذه الوظيفة. وأهل الداخلة والسيالة وخليوة كانوا أوائل سائقي القطارات بالسكة الحديد، ومن أبرزهم الحاج عمر يوسف، الحاج حسب الباري حمزة، الحاج بابكر ود رخيص، الحاج محمد الحسن نافع، الحاج بابكر رحمة، ويعد أول سائق سوداني للقطار الديزل.
ارتبط القطار بالحاج عجيب دفع الله حتى صارت المقولة السودانية الشهيرة (قطر عجيب يودي ما يجيب) وانتشرت من الداخلة إلى كل السودان، وهكذا خلد هؤلاء العظماء أعمالهم في تاريخ السودان. وفي طرف الجانب الشرقي نجد محل حقار لغسيل الملابس ثم قهوة صبير.
أما الواجهة الجنوبية لسوق الداخلة فتبدأ من الناحية الغربية بمحلات آدم العجلاتي الذي بلغ شهرة كبيرة في الحي، ثم إلى الشرق منه محلات العم باشري للخياطة، وقد اتسم بالإتقان والسرعة، ومن الشرق له ترزي آخر هو العم عبد الرحيم، ومن بعده العم أنصاري، ثم بعد ذلك الطاحونة الشهيرة لصاحبها عثمان طه، وقد تعاقب عليها عدد من العمال، أتذكر منهم الأخ الراقي الطيب عشرة الذي ما زال يواصل العطاء إلى الآن.
بسوق الداخلة جزارة كبيرة أسسها عظماء في ذاكرة الداخلة، وهم العم الحاج حسن طه المعروف بنظافته وترتيبه، والعم الحاج بلة حاج حمد، وقد عاصرناه رجلاً كريماً ودوداً. وكان في الجزارة الأعمام ود حاج طه، محمد صالح نوفل، أبشر التوم وعبد الله، وحاج إبراهيم، والحسين الطماس.
وفي سوق الخضار يوجد (6) دكاكين تبدأ من الشرق للغرب بالحاج أحمد عبد الله الحسين، والحاجة بت محمود، محمد أحمد من كنور، الحاج الخير، عثمان من كنور، والحاج محمد علي.
لا شك أن الكثير من الأسماء لم تستوعبها الذاكرة، وأثق أن كل قارئ سيضيف اسماً جديداً، ونعمل إن شاء الله بعد ذلك على إعادة إنتاج المقال مرة أخرى.
مناسبة هذا المقال هي تذكري لأيام ما قبل عيد الأضحى المبارك في سوق الداخلة، وصورة العم أحمد فرح (ود فرح) بائع الخراف المشهور الذي يأتي للداخلة في مثل هذه المناسبات بقطيعه. وقد أنشأ (ود فرح) علاقات راسخة مع أهالي الداخلة، وانتقل من تاجر مواشٍ إلى صديق عزيز دخل معظم المنازل مواسياً ومعزياً ومباركاً وعضواً بالأندية الرياضية. وكنت أتذكره بـ(عرضة) شهيرة في حفلات الداخلة، فقد كان له إحساس عالٍ بالفن والجمال والطرب، كما أنه صاحب قفشات وضحكات ومداعبات. ومن أقرب أصدقائه العم خضر أبو الجيب، وكان كثير الممازحة له في أنه (ما يصدق زول مات) في طرفة وحب عميق. وأتذكر أن الميدان أمام منزل العم خضر كان مكانه الرئيسي، حيث كان يقضي أياماً في ضيافة العم خضر.
لم تكن العلاقات بين هؤلاء العظماء علاقة ربح وخسارة مادية، بل كانت أكبر من ذلك. عاشوا وماتوا على التعاون وبذل الخير وتربية أبناء صالحين يساهمون الآن في مجالات مختلفة، ورسموا بذلك صورة رائعة من التعايش والتسامح وقبول الآخر.
نسأل الرحيم لهم الرحمة، وأدام المولى هذا السوق ملتقى للخير.