العلاقة الجدلية بين عبيد الأمين وبنيامين نتنياهو

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

العلاقة الجدلية بين عبيد الأمين وبنيامين نتنياهو

 

رغم الزخم الوطني الكبير الذي أحدثته ثورة الطلاب في شعبان عام 1973، تلك التي شاركت فيها الجامعات السودانية والمدارس الثانوية بقيادة جامعة الخرطوم، ودعمتها نقابة السكة حديد وأخريات، إلا أنها أخفقت في إسقاط حكومة المشير جعفر نميري. وقامت بعدها أجهزة الأمن بملاحقة قيادات العمل السياسي الوطني الممثلة في تحالف الجبهة الوطنية: الأمة، والاتحاديين، والإسلاميين، مع اعتقال كل قيادات اتحادات الجامعات والمعاهد العليا والكليات الجامعية واتحاد الثانويات. وكنت فيها رئيسًا لاتحاد الثانويات وممثلًا للمدرسة الأهلية الثانوية بأم درمان.
وفي المعتقل بسجن كوبر أتيحت لي الفرصة لمقابلة أغلب القيادات السياسية في شتى اتجاهاتها التنظيمية والفكرية، وأذكر من تلك القيادات: الترابي من الإسلاميين، وعبد الرحمن النور من حزب الأمة، وعبد الماجد أبو حسبو من الاتحاديين، ومولانا أحمد خير المحامي، ويس عمر الإمام، وسليمان مصطفى أبكر، ومجموعة من العسكريين.
ولكثافة الوجود الطلابي بكوبر تم عزلنا في سجن دبك شمال الخرطوم، وهو عبارة عن معسكر فسيح للاعتقال، امتلأت زنازينه بقيادات الطلاب من شتى التوجهات، وكان أغلبهم آنذاك من الإسلاميين الذين سيطروا يومها على اتحادات الجامعات والمدارس الثانوية.
وقد سنحت لي الفرصة أن أتعرف في المعتقل على قيادات الإسلاميين بجامعة الخرطوم واتحادها، أذكر منهم: التيجاني عبد القادر، وداوود يحيى بولاد، وحسن مكي، وأمين حسن عمر، وبكري عثمان سعيد، وبابكر حنين، ومحمد الحسن الأمين، وآخرين من الأخيار الأطهار.
وكان في معيّتنا بالمعتقل الراحل صلاح الصديق المهدي، والحاج نقد الله، وعمر الشهيد من كوادر حزب الأمة. وعنبر كامل من الشيوعيين أذكر منهم عباس يونس، وأسامة المجمر، ومحمد الحسن (الباسم).
ومن اتحاد الجامعة الإسلامية كان في المعتقل محمد عبد الله الغبشاوي رئيس الاتحاد، وأحمد مجذوب، والعقيد، وعبيد الأمين الفكي.
وهنالك مجموعة من الطلاب المستقلين الذين أضافوا للمعتقل الكثير من لطائف الغناء والنشيد والمسرح. وأذكر من الذين رُحِّلوا لنا من دنقلا الثانوية الشهيد عبيد ختم بدوي، وكان آنذاك رئيسًا لاتحاد مدرسة دنقلا الثانوية، ومن كراماته أنه حفظ القرآن في ستة أشهر بالمعتقل.
وكان في المعتقل الكثير من النجوم الذين أضاءوا وجه السودان لاحقًا، والعديد من المناشط والذكريات، وأرجو أن نتمكن من أن نفرد لها مزيدًا من مساحات الكتابة والمشافهة والمشاهدة.
كان صدى الهتافات والقصائد يتردد في السجن مع كل نزيل جديد، حيث يصطف الطلاب وهم يهتفون ذلك الهتاف المحبب لأنفسهم:
“الجامعة منار ولن تنهار
ود المكي وراه رجال”
وكانوا يعنون بذلك أيقونة الثورة ورمزها أحمد عثمان مكي، رئيس الاتحاد وقائد ثورة الطلاب وأميز الخطباء في تاريخ الحركة الطلابية. وقد أصبح لاحقًا عضوًا في برلمان الديمقراطية الثالثة عن الجبهة الإسلامية القومية ورئيسًا لتحرير صحيفة الراية، وعُرف بمساهماته الجليلة في نشر الإسلام بأمريكا ورعاية المسلمين هناك، وتصدر الاتحادات الطلابية بالولايات المتحدة. وقد وافاه الأجل المحتوم وهو في قمة نشاطه بأمريكا، ودُفن في موكب مهيب بمقابر أحمد شرفي بأم درمان، وقد أوصى – عليه الرحمة – بأن يدفن في بلاده.
وأذكر أن أجهزة الأمن في ذلك الوقت كانت ترفع طوب الأرض بحثًا عنه، وتغري الناس بالجوائز الثمينة لمن يدل على مكانه. ورغم الحصار، فقد كان يطل فجأة وسط طلاب الجامعة متحدثًا أساسيًا، كأنما انشقت الأرض به بغتة فخرج من بين التراب.
ومن الأحداث التي لا أنساها أننا، بعد نهاية الندوة الأخيرة التي انطلقت بعدها الثورة وملأت شوارع الخرطوم وزلزلت أركان النظام، وبعد منتصف الليل، جئنا من الجامعة مشيًا على الأقدام حتى منزلنا الكائن بحي ود نوباوي. وكان الوالد – عليه الرحمة – آنذاك يشيد منزلًا جديدًا اكتمل تمامًا إلا من خدمة الكهرباء، وكنا نسكن في المنزل الذي يقابله مباشرة.
فوجئت أن الشهيد عبد الإله خوجلي، الذي كان طالبًا آنذاك بكلية الطب بالقصر العيني بالقاهرة، يطلب مني أن أحمل وجبة عشاء وماء وحافظة شاي في الثانية صباحًا إلى ضيف يسكن في الغرفة الأخيرة بمنزلنا الجديد، وأمرني بالحذر. تعجبت جدًا للأمر، ولكنني لم أسأل عن الضيف.
وكانت دهشتي عظيمة عندما اكتشفت أن ضيفنا المختبئ في الغرفة الأخيرة كان أحمد عثمان مكي رئيس الاتحاد، الذي جند جهاز الأمن كل كوادره وخبراته المتراكمة لإلقاء القبض عليه. فكانت ليلة مشهودة ما زالت مرتسمة إلى اليوم في خاطري.
ومن جلسات السمر التي لا أنساها في سجن دبك ذكريات القيادات الطلابية وطُرفهم في العمل الطلابي ومشاكساتهم مع الإدارات.
حكى يومًا الراحل محمد عبد الله الغبشاوي، الذي كان رئيس اتحاد الجامعة الإسلامية، عن الأخ الراحل عبيد الأمين الفكي السكرتير الأكاديمي لاتحاد الجامعة، والذي اشتهر بحدته ونفوذه وسط إدارة الجامعة، وكانت تخشى سطوته وتأثيره وسط الطلاب.
ومن ضمن الصحف التي كانت تصدر في نشاط الجامعة ومقهى الطلاب صحيفة (لا تقرأ)، وهي متخصصة في أدب الحلمنتيش الساخر، وكان يحررها مجموعة من الطلاب الظرفاء غير المنتمين. وكان لها باب بعنوان (سخريات صغيرة) يرصد فيه أحداث الجامعة بطريقة ساخرة.
وقد عبرت في سخرية لاذعة عن النفوذ المتمدد واللامتناهي لعضو الاتحاد والسكرتير الأكاديمي الطالب عبيد الأمين، فكتبت الخبر التالي:
“كان من المأمل أن تقوم إدارة الجامعة بقبول 500 طالب وطالبة بالجامعة هذا العام، لكن السيد عبيد الأمين رفض.”
فضج ذلك المساء السجن بالضحكات رغم أنف الأسوار العالية ودهشة الحراس.
تذكرت هذه الحكاية بعدما استمعت إلى تصريح الرئيس الأمريكي ترامب وهو يدلي، في اجتماع مجلس أمنه وبحضور وزير دفاعه ووزير خارجيته وممثله في المفاوضات، بقوله الجهير:
“لقد تم الاتفاق النهائي، وسوف ننسحب من مضيق هرمز فورًا، وسوف تقوم إيران بفتحه فورًا، ونطوي صفحة الحرب والغبار النووي.”
هنا تهلل العالم، وتداولت القنوات والصحف ومراكز اتخاذ القرار في كل العواصم النبأ السعيد.
وحين انفض الاجتماع خرج علينا الخواجة ترامب بتراجع خطير نسف كل ما قاله، وبراءة الأطفال في عينيه.
فتخيلت عبارة ممثل البيت الأبيض ستيف ويتكوف بالدارة الأمريكية وهو يصرح للصحفيين، مضاهاةً للنكتة وتراجعًا عن خيبة الأمل في الرئيس، قائلًا:
“نعم، لقد وافق مجلس الأمن القومي وأركان حرب الرئيس ومستشاروه على كل النقاط المختلف عليها، ولم يتبق أمام الرئيس إلا إطلاق الإعلان النهائي بانتهاء الحرب وتوقيع الاتفاق بين واشنطن وطهران، لكن السيد” بنيامين نتنياهو “رفض.”
العبارة الأخيرة المخبوءة التي لم يقلها ويتكوف، وفهمها العالم بلاغًا وبلاغة:
“ولكن بنيامين نتنياهو، الرئيس الفعلي للولايات المتحدة، قد رفض.”