عبدالله خوجلي يكتب: ملك السعودية يعزي في وفاة عبد الله حمدوه

جلسة في الضحى بين العمائم واللحى

عبدالله خوجلي

ملك السعودية يعزي في وفاة عبد الله حمدوه

 

ظهرت مدرسة الفلاح بجدة إلى حيز الوجود ولم تكن يومها بجدة مدرسة غيرها، بل كان الذين يحسنون القراءة والكتابة قلائل، وبعد أن نجحت مدرسة الفلاح في جدة ورسخت جذورها، وأصبحت معلماً هاماً فيها عزم الشاب محمد علي زينل على الذهاب إلى مكة المكرمة والإقامة بها أياماً يتلمس فيها إمكانيات إنشاء مدرسة أخرى هناك.

وأخذ يطوف المسجد الحرام بحلقات العلماء، ويستمع إليهم على أمل أن يختار من ينشرح صدره له فيوكل إليه معاونته لإنشاء مدرسة في أم القرى مكة المكرمة.
وبعد تردد طويل، على من توسم فيهم الأمل في تحقيق ما كان يفكر فيه، وبعد زيارته بعض الكتاتيب والزوايا التي يحفظ فيها القرآن الكريم وجد بغيته في شيخ مربٍ كان قد أسس في باب الزيادة من أبواب المسجد الحرام كتاباً لتحفيظ القرآن الكريم، وهو الشيخ الحافظ لكتاب الله عبد الله حمدوه، وكان محمد علي زينل يزوره في كتابه، ولما ارتاح إليه فاتحه فيما يفكر فيه فوجد عنده الحماسة والتشجيع والتجاوب، واتفق معه على أن ينقل كتابه وتلاميذه إلى بناية أخرى أكبر منها، وأن تتوسع الدراسة فيها ويطلق على المدرسة اسم مدرسة الفلاح بمكة المكرمة، وكان ذلك في عام 1330هجرية الموافق 1910 م، وهكذا قامت مدرسة الفلاح في أم القرى.

واستقطبت هذه المدرسة، منذ أول عهدها، عدداً كبيراً من المعلمين، في مكة والمدرسين في المسجد الحرام وبارك الله فيها فكانت نواة لما تطور بعد ذلك من هذه المدرسة، وأصبحت تضم بعض فئات من أبناء مكة والمجاورين بها وأسهم في إنشاء المدرسة وإدارتها وتطويرها عدد من المربين الأفاضل من المكيين البارزين كالسيد طاهر الدباغ والشيخ أمين فودة.
والشيخ اسحاق عزوز وغيرهم ويعتبر فضيلة الشيخ عبد الله حمدوه السوداني أكفأ مربٍ في عهده استقام وأخلص وأنتج وخلد أطيب ذكر وأثمن أثر.
ولد رحمه الله بالسودان عام 1274 هجرية، وهو من أقرباء الإمام المهدي عليه السلام كان رحمه الله طويل القامة، نحيف البنية أسمر اللون مشلخ الخدين، تشليخاً راسياً خط في كل خد، تقدم إلى مكة وعمره عشرون سنة، فجود القرآن على يد الشيخ إبراهيم سعد المتوفى في 1316 هـ والشيخ أحمد حامد وعكف على طلب العلم بالمسجد الحرام، ولم يكن في ذلك العهد من المدارس والمدرسة الصولتية والمدرسة الفخرية العثمانية وحلقات لتحسين الخطوط.
حز في نفس الشيخ عبد الله حمدوه ضياع الأمل وخيبة الرجاء من عقم التربية والتعليم في الكتاتيب فافتتح كتابه في باب الزيادة كما ذكرنا، وكان يعاونه على قراءة القرآن وحفظه كل من السيد عبد الله مجاهد وأخوه السيد هاشم، والشيخ أحمد السناري السوركتي مؤسس جمعية الإرشاد بإندونيسيا وصاحب مجلة الذخيرة التي كانت تصدر في جاكرتا، وكان الشيخ عبدالله حمدوه، محور حركة نشاط الكتاب، يوجه المعلمين ويرشدهم وينصح التلاميذ ويؤدبهم في شفقة.
وحنان وعطف دون تمييز بين فقير وغني أو رفيع ووضيع. يولم اكتظ ديوان الطلاب انتقل من باب الزيادة إلى باب الباسطية في إحدى بيوت الأشراف أدخل الشيخ عبد الله حمدوه تحسينات على كتابه إذ قسمه إلى صفوف، وقرر تعليم الحساب وتحسين الخط بجانب حفظ القرآن وتجويده فازداد الإقبال على كتاب الشيخ عبد الله حمدوه وذاع صيته لا سيما بعد أن شاهد أولياء الطلبة إقبال فلذات أكبادهم على حفظ القرآن وتناوبهم في الإمامة بصلاة التراويح تحت إشراف مربيهم الشيخ عبد الله حمدوه.
واستمر الحال، في الكتاب إلى أن انضم إلى مدرسة الفلاح بمكة المكرمة، وعين الشيخ عبدالله حمدوه، مديراً لها وصارت ألسنة الناس تلهج بالدعاء لباذر بذور هذه المدرسة الشيخ محمد علي زينل بالبقاء والشكر لفضيلته ولمدير إدارتها الشيخ عبد الله حمدوه. وما كان الشيخ عبد الله حمدوه مديراً للفلاح فحسب، وإنما كان واعظاً بجانب ما يقوم به من التدريس في اللغة والنحو في بعض الفصول.
كان على علاوة محبة الشعب له موضع التقدير الحكومتين الهاشمية والسعودية كما كان رجال الدين في فجر هذا العهد السعودي إذا تحدثوا عن الشهر.
عبدالله حمدوه، ذكروه بدمانة أخلاقه وطيب قلبه وسلامة عقيدته بجانب ما يحكي عنه من وقار وسكينة وتقوى جعلت منه شخصية مهابة محترمة.
كان رحمه الله يسوس طلابه بحكمة وروية، وقد يشتد على المراهق الطائش بطرق تربوية قبل أن يعرف علم النفس وطرق التربية الحديثة، وكان رحمه الله يحث طلابه على أداء الصلوات الخمسة ويدرب الصغار على أدائها عملياً، لذلك لم يوجد خريج من طلابه من يستهتر بالصلاة وبعدها رياضة فيتكاسل عن أدائها فضلاً عن تركها لأنهم اتخذوا سيرة مربيهم قدوة يستضيئون بها في حياتهم. مات الشيخ عبد الله حمدوه في 17/6/1350 هـ فخلف أطيب ذكر وأحسن أثر وقد رثاه طلابه علماء وأدباء هذا العصر تقديراً لأعماله وتشجيعاً لغيره من المربيين.

وقد أرسل جلالة الملك عبد العزيز تعزية إلى هيئة مدرسة الفلاح بمكة المكرمة يعرب فيها عن أسفه لوفاة الشيخ عبد الله حمدوه السوداني نصها:
من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل
إلى هيئة مدرسة الفلاح التعليمية بمكة المكرمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد وصل إلينا كتابكم المؤرخ في 20/ 6 /1350هـ
أحطنا علماً بما ذكرتم، وإنا تأسفنا أشد الأسف على انتقال الشيخ عبد الله حمدوه من دار الفناء إلى دار البقاء لما نعهده منه من الإخلاص والمودة، ولا يسعنا في هذا الموقف إلا أن نقول إنا لله وإنا إليه راجعون نسأل الله أن يتغمد الفقيد رحمته ويسكنه فسيح جناته. إنه على ما يشاء القدير بالإجابة جدير.
هذا ما لزم بيانه والله يحفظكم والسلام.
في 2/8/1350 هجرية]
وأخيراً، فهذه لمحات سريعة نقلتها، مما كتب عن هذا الجندي المجهول الشيخ عبد الله حمدوه رحمه الله.