
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (العالم حولك)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(العالم حولك)
الجدال هو شيء يُقال بآذان السامعين، وليس بلسان المتجادلين.
وفي المطعم المزدحم في المدينة الكبيرة، يقترب شاب من فتاة تجلس منفردة ويقول:
يا آنسة… هل تسمحين لي بالجلوس هنا؟
فتصيح الفتاة:
تريد قضاء ليلة معي لقاء ألف دولار؟! مستحيل.
ورواد المطعم تتحول آذانهم إلى هناك… والشاب يجلس على مقعد آخر.
بعد قليل، تذهب الفتاة إليه وتقول مبتسمة:
أنا أستاذة في علم النفس، وأردت أن أعرف ما تفعل عندما تتعرض لمثل الإحراج الذي أدخلتك فيه.
فيصيح الشاب بصوت مرتفع:
تطلبين ثلاثة آلاف لليلة واحدة؟! مستحيل.
ورواد المطعم تذهب عيونهم وآذانهم إلى هناك…
ويهمس الشاب للفتاة:
أنا محامٍ… وأعرف كيف أحول الأمور لصالحي.
والمفاوضات التي تقترب هي شيء يتم تحت سمع وبصر العالم.
والمتحاورون… البرهان ودقلو، كل منهم سوف يتحدث مع الآخر بألفاظ موجهة إلى آذان وعيون العالم، وموجهة إلى ما يفهمه العالم من الكلمات التي تصل إليه.
……
والإعلام طرف، هو الطرف الأعظم.
ويوسف إدريس عنده قصة عن خطورة ما ينقله الإعلام، الإشاعة.
وفي القصة، طفلة في السادسة، وفي شجار مع الفتاة التي تبيع الخضار، والطفلة التي لا تعرف معاني الكلمات تشتم الفتاة بأنها عاهرة.
وامرأة في أُنس النسوان تقول إنها سمعت أن الفتاة عاهرة… وامرأة وأخرى ينقلن للناس أنهن يعرفن من زمان أن الفتاة عاهرة.
والفتاة التي تحاول دفع الإشاعة، وتفشل… ثم تفشل، تقول لنفسها أخيرًا:
أنا أحبس نفسي عن السقوط خوفًا من أن يقول الناس إني كذا وكذا… والناس الآن يقولونها… فلماذا أمنع نفسي؟
وتسقط…
……
ما يدير حياتنا هو الآخر.
والآخر ما يجعله يعطي ويمنع هو مصلحته، وليس الحق والحقيقة.
والسودان الذي يتكالب عليه العالم الآن لا بد له من أسلوب يشتري به حليفًا هنا وحليفًا هناك…
ومراعاتنا لقانون العالم مراعاة يرسمها توفيق الحكيم؛ فالحكيم يحكي كيف أنه كان، على ضابط المركز، حين يصل إليه بلاغ عن مصاب بالرصاص، أن يذهب إلى المصاب، وأن يشرع في وصف المصاب، وعمره، وملامحه، وملابسه، وتكة سرواله… وهذا ما يأمر به القانون.
قال الحكيم، الذي كان هو ضابط المركز:
حتى إذا وصلنا إلى المصاب لنسأله عمّن أصابه، نجد أنه قد مات.
والآن، مفاوضاتنا التي تراعي القانون ومساره، وليس الظرف، تفعل وتفعل… حتى إذا التفتت إلى السودان المصاب، تجد أنه قد مات.