الحكم بالإعدام على حميدتي وعبد الرحيم والقوني .. العدالة تلاحق القتلة

الحكم بالإعدام على حميدتي وعبد الرحيم والقوني .. العدالة تلاحق القتلة

تقرير: ألوان

في تطور قضائي لافت يعكس مسارًا جديدًا في التعامل مع انتهاكات الحرب في السودان، أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة حكمًا غيابيًا بالإعدام شنقًا حتى الموت تعزيرًا بحق قائد مليشيا الدعم السريع السفاح “حميدتي” و15 من قيادات ومنتسبي الدعم السريع، وذلك بعد إدانتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، على خلفية مقتل والي غرب دارفور خميس أبكر وأحداث العنف التي شهدتها مدينة الجنينة. ويُعد هذا الحكم من أبرز الأحكام القضائية في تاريخ السودان الحديث، نظرًا لمستوى المتهمين وطبيعة التهم الموجهة إليهم، والتي تتجاوز حادثة اغتيال الوالي لتشمل انتهاكات واسعة النطاق ارتُكبت خلال الصراع في إقليم دارفور.

 

 

وتعود وقائع القضية إلى 14 يونيو 2023، عندما أقدمت عناصر من مليشيا الدعم السريع على اعتقال والي غرب دارفور خميس أبكر في مدينة الجنينة، قبل أن يتم قتله بصورة وحشية، في حادثة وثقتها مقاطع فيديو متداولة أثارت موجة غضب محلية وإدانات دولية واسعة. ولم تتوقف الاتهامات عند هذه الواقعة، بل امتدت لتشمل الهجمات التي طالت أحياء واسعة في الجنينة، والتي شهدت عمليات قتل جماعي واستهدافًا إثنيًا، خاصة ضد مكونات قبلية بعينها، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وتشريد مئات الآلاف نحو دولة تشاد.
وبحسب مجريات المحاكمة، التي انعقدت غيابيًا في بورتسودان خلال العام 2025، فقد وُجهت للمتهمين قائمة اتهامات ثقيلة تضمنت التخطيط والتنفيذ لجرائم منظمة، شملت القتل العمد، والتهجير القسري، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، إلى جانب جرائم تُصنف ضمن أخطر الجرائم الدولية، مثل الإبادة الجماعية.
كما شمل الحكم قيادات بارزة أخرى، من بينها عبد الرحيم دقلو والقوني دقلو، إضافة إلى عدد من القادة الميدانيين والشخصيات المرتبطة بالدعم السريع، في مؤشر واضح على أن المحاكمة استهدفت هرم القيادة والمسؤولية، وليس فقط المنفذين المباشرين.
وفي خطوة ذات دلالات قانونية وسياسية مهمة، قررت المحكمة مصادرة جميع أموال وممتلكات مليشيا الدعم السريع لصالح حكومة السودان، في إجراء يعكس محاولة لتجفيف مصادر التمويل ومحاسبة الكيان ككل، وليس الأفراد فقط. كما وجهت المحكمة بمخاطبة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) لإصدار نشرات حمراء بحق المدانين، تمهيدًا لملاحقتهم دوليًا واعتقالهم أينما وجدوا، في حال تعذر تنفيذ الحكم داخل البلاد.
ويحمل هذا الحكم أبعادًا تتجاوز الإطار القضائي المحلي، إذ يُنظر إليه كرسالة قوية بشأن جدية السلطات في ملاحقة مرتكبي الانتهاكات، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، خاصة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في دارفور.
كما يتقاطع الحكم مع تقارير دولية وأممية كانت قد سلطت الضوء على الانتهاكات الواسعة في غرب دارفور، معتبرة أن ما جرى في الجنينة يمثل أحد أخطر فصول العنف خلال الحرب، وقد يرقى إلى مستوى الجرائم الدولية الكبرى.
ورغم الأهمية الرمزية والقانونية للحكم، تبقى تحديات التنفيذ قائمة، خاصة في ظل الطبيعة الغيابية للمحاكمة، وتعقيدات المشهد الميداني والسياسي، إلا أن الخطوة في حد ذاتها تمثل تحولًا في مسار العدالة، وقد تفتح الباب أمام مزيد من الإجراءات القضائية داخليًا ودوليًا.
وقال مراقبون أن هذا الحكم يضع ملف دارفور مجددًا في صدارة المشهد، ليس فقط كقضية إنسانية، بل كاختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع الدولي على تحقيق العدالة، ومحاسبة المسؤولين عن واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ السودان المعاصر.