
المحكمة الدستورية .. خطوة نحو العدالة وإرساء دولة القانون
المحكمة الدستورية .. خطوة نحو العدالة وإرساء دولة القانون
تقرير: الهضيبي يس
أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قرارًا قضى بتعيين (7) من قضاة المحكمة الدستورية لاستكمال هياكل العدالة بالبلاد، وسدّ الفراغ الذي تولّد منذ العام 2020، وترسيخ مفهوم تطبيق دولة القانون. وكان البرهان قد قام قبل عام بتعيّين، قاضي المحكمة الدستورية مولانا وهبي محمد مختار، عقب تعطل أعمال المحكمة منذ نحو ست سنوات، إثر تكوين حكومة رئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك، مما أسفر عن حل المحكمة وإعفاء قضاتها، ومن وقتها ظل الفراغ يسود الساحة العدلية، وما ترتب على ذلك من تعليق عدد من القضايا ذات الأبعاد الدستورية.
ووفقًا لمراقبين، فإن استكمال هياكل السلطة القضائية بالبلاد يشكّل أحد أهم ركائز تثبيت صيغ تطبيق أحكام القانون بالدولة، لا سيما وأن التأخير الذي حدث قد تسبب في إحداث جملة من الاختلالات الأساسية التي تتصل بالمنظومة العدلية، سواء المحكمة الدستورية، أو المحكمة العليا، أو محكمة جرائم الإرهاب، وغيرها من المؤسسات.
ومن أبرز سمات تكوين المحكمة الدستورية التأسيس للمرجعية القانونية فيما يختص بدستور السودان لعام 2019، في نسخته المعدلة بتاريخ نوفمبر لعام 2022، فضلًا عن الفصل في كافة القضايا ذات الطبيعة والجدل الدستوري، والتي لم تستطع بقية مراحل التقاضي المختلفة الإفتاء فيها، وقامت بإحالتها للمحكمة الدستورية، وكانت في انتظار تعيين قضاة المحكمة.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي ياسر زين العابدين أن قرار رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان باستكمال هياكل السلطة القضائية بالبلاد، يحمل مؤشرًا على مدى رغبة الحكومة بشقيها المدني والعسكري في ترسيخ دعائم دولة القانون والعدالة، وفقًا لمقتضيات التغيير الذي تتبناه الدولة منذ نحو (6) سنوات وحتى الآن.
ويضيف زين العابدين بأن القرار، يدحض كافة الأقاويل التي كثيرًا ما ذهبت إلى استحواذ قادة المؤسسة العسكرية على السلطة وتغييب العدالة بالسودان، باعتبار أنها أحد أهم أسس ترسيخ الحكم في الدولة، لافتًا إلى أن قرار البرهان سيكون له تأثير بالغ على قضية تبني إصلاحات المؤسسات، خاصة تلك التي تُعنى بتقويم وإرساء سيادة حكم القانون وتطبيق العدالة، وإنهاء أي تجاوزات متوقعة، ببناء مصدات تحافظ على هيكل وبناء الدولة ونظام حكمها.
وتوقع ياسر أن تكون الخطوة لفتح الباب أمام المصادقة على العديد من الأحكام من قبل رئيس مجلس السيادة، والتي كانت في انتظار صدور رأي قضائي بشأنها من قبل المحكمة الدستورية للمصادقة عليها، ومتى تم الأمر، بالتأكيد سيزيل قدرًا كبيرًا من حالة الاحتقان الاجتماعي التي تولدت في نفوس السودانيين نتيجة لوقع الحرب وما صاحبها من انتهاكات إنسانية على يد مليشيا الدعم السريع.
ويشير الكاتب في الشؤون القانونية عثمان البصري إلى أن غياب المحكمة الدستورية طوال السنوات الماضية ليس مجرد غياب لمؤسسة قضائية، وإنما تغييب لواحدة من أهم ركائز الدولة القانونية، فمنذ انتهاء ولاية قضاتها في يناير 2020م تعطلت الرقابة على دستورية القوانين، وتوقفت جهة الاختصاص الأعلى في الفصل في المنازعات الدستورية، وحُرم المواطنون من اللجوء إلى أعلى سلطة قضائية مختصة بحماية الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور، باعتبار أن هذا الفراغ ترك آثارًا مباشرة على المشهد العدلي والدستوري، إذ غابت المرجعية المختصة بحسم النزاعات بين مستويات الحكم، وتراجعت الرقابة الدستورية على التشريعات والقرارات، في وقت كانت تمر فيه البلاد بمرحلة انتقالية مثقلة بالتحولات السياسية والتشريعية، الأمر الذي جعل كثيرًا من الملفات الدستورية تظل معلقة دون حسم، ولذلك يُنظر إلى إعادة تشكيل المحكمة بوصفها استعادة لركن أساسي من أركان العدالة، وخطوة طال انتظارها لاستكمال البناء المؤسسي للدولة.
مردفًا بالقول إن المحكمة الدستورية تمثل قمة الهرم القضائي في المسائل الدستورية، وهي المؤسسة التي أوكل إليها القانون حماية الدستور وضمان احترام أحكامه، باعتباره المرجعية العليا التي تستمد منها جميع السلطات شرعيتها، وتختص المحكمة بالفصل في دستورية القوانين والنصوص القانونية، وإبطال كل تشريع أو قرار يخالف الدستور، كما تنظر في النزاعات الدستورية بين مستويات الحكم المختلفة، وتحسم الخلافات بين الحكومة الاتحادية والحكومات الولائية، علاوة على دور المحكمة الدستورية في حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يكفلها الدستور، كما تُعد المحكمة المحطة الأخيرة للمواطن عندما يتعلق الأمر بانتهاك حق دستوري، إذ تملك سلطة النظر في الدعاوى الدستورية حتى بعد صدور الأحكام القضائية النهائية، بما يجعلها الضامن الأعلى لسيادة القانون والفصل بين السلطات، وصمام الأمان الذي يحول دون تغول أي سلطة على أخرى.
لا سيما وأن التعطيل الذي صاحب المحكمة الدستورية خلّف فراغًا عريضًا لا يمكن سدّه، لأنها تظل تتمتع بطبيعة فنية واختصاصات لا تستطيع أي جهة أخرى القيام بها، لا سيما في مجال الرقابة على دستورية القوانين وضمان سلامة تنفيذها، مشيرًا إلى أن مجرد اكتمال تشكيلها سيكون له أثر كبير على المشهد العام للدولة السودانية.
في وقت تحتاج فيه الدولة لاستكمال أهم حلقة من حلقات مؤسساتها الدستورية، مشيرًا إلى أن المحكمة تضطلع كذلك بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، والفصل في دستورية القوانين والنصوص، والنظر في النزاعات الدستورية بين مستويات الحكم، والفصل في النزاعات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، فضلًا عن أن المحكمة الدستورية هي الجهة الوحيدة المختصة بحماية الحقوق الأساسية للمواطنين عندما تتعرض للانتهاك، حتى بعد صدور الأحكام القضائية النهائية، خاصة وأن مؤسسة بهذا القدر من الصلاحيات والاختصاصات لا يمكن القبول بتعطيلها كل هذا الوقت.