حسين خوجلي يكتب: المدهشات في زمان الرتابة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

المدهشات في زمان الرتابة

 

دموع الأحبة ونفثات العشاق
كان الأخ الداعية المهندس الصافي جعفرعليه الرحمة دائماً ما يقول: كنت عندما أريد أن أتعرف على ضآلتي وتقصيري في حق نفسي وعقيدتي أقرأ ما جري لسيد الخلق الرسول صلى الله عليه وسلم في حادثة الطائف، حيث تظاهر في وجهه يومها الصبيان والمجانين والسفهاء بتحرض من كبرباء القوم من الذين أضلهم الشيطان وأعمتهم الدنيا.
كانت تتراءى لي القامة الوضيئة للمصطفى صلى الله عليه وسلم وقد كلله الحزن وأصابت الحجارة الغادرة جسده الطاهر فسال الدم من كل موقع من جسده الشريف وسالت الدماء من قدميه الشريفتين، وكان يحميه زيد بنفسه فتنال عليهم الحجارة فيبكي زيد ويقول بصوت حزين: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. ورغم ذلك تأبي الثأر ونأت نفسه عن الانتقام في تلك اللحظات العسيرة حيث طلب منه جبريل أن يُطبق ملك الجبال عليهم الأخشبين وتعالى المصطفى فوق جراحة وقالها بصوت يضج بالسماحة والعفاف والندي: (بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا).
ويواصل الصافي بصوته المتهدج الحبيب ويملأ الكون الدعاء العجيب للمصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك الدعاء الذي مضت عليه أكثر من 1400عام لكنه يخرج حاراً وطازجا كأنه كان مخزوناً في ( تيمروس)
(اللَّهُم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين ! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).
ويختمها الصافي بقوله: وحين يداهمني الموظفون في المكتب وفي الأعين بقية من دموع أو يداهمني الأبناء أو الزوجة في غرفتي ويجدوا ذات الدمعات يقولون بدهشة اتفقوا عليها: على من تبكي يا صافي فأقولها تعزية لنفسي وسلوى: أبكي على نفسي وأبكي على حبيبي وأترك لهم الباب مفتوحاً للتأويلات.
وكان الصافي عليه الرحمة بعد كل حكاية عن المصطفى صلى الله عليه وسلم يُجمل صوته ونفسه بهمزية حسان الناطق الرسمي بتلك الأيام البيض
وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني
وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ
خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ
كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

ضد الدروس الخصوصية

ومن الحكايات الثنية المباركة التي جعلت كثير من معلمي الدروس الخصوصية لا يذهبون إلى أبناء الأثرياء في بيوتهم تأدباً لحكمة مالك بن أنس رغم عسره وقلة الزاد، ويمتنعون عن المال امتثالاً لسيرة صاحب الموطأ، يطيب لي أن أروي حكايته التي جَمَّلت كثيراً من كتب الصالحين والعارفين بفضل علماء أهل الإسلام.
قيل أن هارون الرشيد على جلال قدره ومقامه وعلى سعة الإمبراطورية التي كان يحكمها كان وَقَّافاً عند الحق هَيَّاباً في تواضع حين يتعلق الأمر بالحكماء والفقهاء والعارفين .
عندما سافر هارون الرشيد إلى المدينة المنورة وذهب إلى المسجد النبوى الشريف رأى الامام مالك رضى الله عنه يُدَرِس العلم ،فقال هارون الرشيد للإمام مالك : يا مالك ما ضر لو جئتنا لتدرس العلم لنا فى بيتنا.
فقال له الإمام مالك: يا هارون إن العلم لا يأتى إنما يؤتى إليه.
فقال له : صدقت يا إمام دار الهجرة وسوف آتى إليك فى المسجد.
فقال له الإمام مالك: يا هارون إذا جئتنا متأخرًا فلن أسمح لك بتخطي رقاب الناس فى المسجد.
فقال له هارون الرشيد: سمعًا وطاعة.
وبينما كان الإمام مالك يلقى درسًا بعد صلاة العصر دخل هارون الرشيد المسجد ودخل معه رجاله ووضعوا الكرسى لهارون الرشيد، فنظرالإمام مالك إلى هارون الرشيد فوجده جالسًا على الكرسى فى المسجد، فغير مجرى الحديث، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(ما تواضعَ أحدٌ للَّهِ إلَّا رفعَهُ اللَّهُ) ففهم هارون الرشيد المعنى وأمر برفع الكرسى من تحته وجلس على الأرض كما يجلس سائر المسلمين.
وقد علق أحد الأخيار بقوله:
هكذا كانت العلاقة بين العلماء والحكام ، وهكذا كان العلماء لا يخشون في الحق لومة لائم ، وهكذا كان الحكام ينصاعون لشيوخ الإسلام الحق.
رحم الله الإمام مالك والخليفة هارون الرشيد.

العواصم من القواصم الجديد

ولأني أعلم متيقناً ويوافقني في هذا اليقين كل شعوب العالم العربي، بأن جامعة الدول العربية قد استقالت من التاريخ منذ أمد بعيد وأصبحت مجرد حُلم في حياتنا وأسفاً في واقعنا المُرّالمهيض ، إلا أن هذا لا يُبررُ إهمالها ولا يمنعنا في أن نقترح لها حلاً ودوراً، فلا زال لها مقرٌ وميزانية وأفندية يؤهلونها بأن تصلح دار نشرعربية كُبرى لإشاعة وتسويق وتوزيع أفكار التسامح العربي والدعوات الجادة للحوارالمثمرعبر نصوص التراث وأخبارالرجال.
ولتبدأ بهذا المنشورالشهيرعن حكاية الخليفة معاوية والخليفة اللاحق عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما ،فلعل في تداولها بين الحكام العرب ما يدعو للتواضع والتأمل والترفُع عن صغائرالمعارك، خاصة وأن الأعداء قد سَدُوا كل الثغور وتسوروا كل التحصينات وأصبحت أعراضنا وأغراضنا مرمى حجر .
تقول الحكاية التي نقترح لها أن تكون المادة الأولى في الكتاب الأول بعنوان (العواصم من القواصم الجديد)
كان لعبد الله إبن الزبير رضي الله عنه مزرعة في المدينة مجاورة لمزرعة يملكها معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما خليفة المسلمين في دمشق، وفي ذات يوم، دخل عمال مزرعة معاوية إلى مزرعة إبن الزبير، وقد تكرر ذلك في أيام سابقة.
فغضب إبن الزبير وكتب لمعاوية في دمشق، وقد كان بينهما عداوة قائلا في كتابه: من عبدالله بن الزبير إلى معاوية(ابن هند آكلة الأكباد) فإن عمالك دخلوا إلى مزرعتي، فمرهم بالخروج منها أو فو الذي لا إله إلا هو ليكونن لي معك شأن. فوصلت الرسالة لمعاوية وكان من أحلم الناس، فقرأها ثم قال لابنه يزيد: ما رأيك في ما قاله ابن الزبير؟
لقد أرسل يهددني، فقال له ابنه يزيد: أرسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتيك برأسه، فقال معاوية: بل عندي له أكرم من ذلك وأشرف صلة و زكاة وأقرب رحما.
فكتب رسالة إلى عبدالله بن الزبير، يقول فيها:
من معاوية إبن أبي سفيان إلى عبد الله ابن الزبير ابن أسماء ذات النطاقين، (فهو يذكرها كمجد له) أما بعد: فوالله لو كانت الدنيا بيني وبينك لسلمتها إليك، ولو كانت مزرعتي من المدينة إلى دمشق لدفعتها إليك، فإذا وصلك كتابي هذا فخذ مزرعتي إلى مزرعتك، وعمالي إلى عمالك فإن جنة الله عرضها السموات والأرض.
فلما قرأ ابن الزبير الرسالة بكى حتى بل لحيته بالدموع وسافر إلى معاوية في دمشق، وقَبَّل رأسه وقال له: لا أعدمك الله حلما، أحلّك في قريش هذا المحل.