حسين خوجلي يكتب: في ذكرى قمة اللاءات الثلاث بالخرطوم: لاءات الخرطوم خنجر في قلب التطبيع والإبراهيمية المفتراة

حسين خوجلي يكتب: في ذكرى قمة اللاءات الثلاث بالخرطوم: لاءات الخرطوم خنجر في قلب التطبيع والإبراهيمية المفتراة

….
حينما كانت الأمة العربية بأرضها وشعوبها تلعق جراح هزيمة يونيو 1967 تنادى وتداعى الشرفاء بعد شهرين فقط لقمة الخرطوم في مثل هذا اليوم من شهر أغسطس. كان اختيار الخرطوم عبقرياً ورامزاً جمع بين العرب والأفارقة مثلما اجتمع النيلان الأبيض والأزرق عند (المقرن) الحبيب.
يومها دُهشت الصحافة الغربية والعبرية وهي تُراقب عشرات الآلاف من السودانيين وهم يزحفون صوب المطار، لاستقبال الزعيم المصري جمال عبد الناصر وكان التعليق القارص لكبريات الصحف الغربية والعبرية: هذه أول بادرة في التاريخ يخرج فيها شعب لاستقبال قائد مهزوم.
فكتبت صحف الخرطوم في اليوم التالي معلقة: (بل خرجت الخرطوم لاستقبال القاهرة المنتصرة بإذن الله ولو بعد حين). وقد حقق الشعب المصري الجسور ما وعد به الشعب السوداني والعالم أجمع، وغسل العار وانتصر في ملحمة رمضان عام 1973 حين أطلق شعار (الله أكبر) التي حاولت القوى العلمانية والظلامية وأده، ذلك الوأد الذي أنجب الهزيمة والانكسار، ورفعها الجيش المصري فأنجب بها الأوبة والانتصار.
خرجت الخرطوم بلاءاتها الثلاث الشهيرة التي ما زالت تصلح للتداول والإفادة والفائدة، رغم مرور ستين عاماً من هذا الحدث الاستراتيجي الكبير، ظلت هذه الشعارات خفاقة ومضيئة رغم أنف الذين زوروا (لا الصلح) لنعم الاتفاق المهين، و(لا الاعتراف) إلى نعم التبادل والسفارات، و(لا التفاوض) إلى نعم التطبيع والتركيع والترويع والترقيع.
إن ذات الخرطوم التي جمعت على ضفاف النيل هذا الاتفاق التاريخي الذي فتح صفحة جديدة في عالم العروبة والإنسانية وقوى الخير والحق والسلام، هي الخرطوم التي مزقت ورقة التآمر من البحر إلى النهر. وفي ذات اليوم الذي صاغت فيه الاتفاق الذي رفع رأس العالم العربي عالياً، وأنهت الخصومة وخططت إلى الانتصار الكبير، يُشاهد الجميع هذه الأيام اجتماع قوى الشر العالمي الذي دعت له دولة الإمارات، التي كنا نحسبها حتى الأمس القريب شقيقة ونصيراً على أذى الأيام ونوائب الدهر تدعو كل الأشرار بالعاصمة الإثيوبية، المخابرات التشادية، والمخابرات الإثيوبية، ومخابرات حفتر الليبية، ووفد من الموساد ودولة الاحتلال وبحضور السفاح حميدتي الذليل المهزوم المستخدم كمناديل النظافة في مزابل الفنادق والسفارات، للتنسيق إعداداً لاكتساح الدمازين وتمهيداً لضرب الخرطوم بعد الهزائم المتلاحقة التي نالتها المليشيا المجرمة بكردفان، حتى يئست منها يأس الكفار من أهل القبور.
وها هي تُدشن وتفتح جبهات أخرى من إثيوبيا وتقيم أكبر معسكر للارتزاق والتسليح والإعداد الباطش بأصوصا تحت سمع العالم وبصره. معركة أعدت لها دولة الشر (الدالات السبع):
1_ دم الرزيقات.
2_ دراهم الإمارات.
3_ دناءة المنظمات.
4_ دنس المخابرات.
5_ دبلوماسية المؤامرات.
6_ داء المُسَيّرات.
7_ ودلال الغانيات.
وكلها أسلحة سوف ترتد على قلوب صانعيها وتتكسر نصالها على صدورهم المهيضة، وتذهب أموالهم الهباء حراماً في أودية العدمية، وتعود خطاهم المرتعشة بالنكوص والمذلة والخيبة وتصفعهم الآية الكريمة ليل نهار: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}
وأخيراً إن كان للخرطوم صرخة حر أو نفثة ثائر أو هتاف عفيفة فهي: يا أيها العرب البائدة والعاربة والمستعربة إن خرطوم اللاءات الثلاث والكبرياء والشرف العربي مهددة الآن بالتدبير الصليبي الصهيوني، وبمدد النفط العربي والدويلة الوظيفية، تمضي المؤامرة حثيثاً وسط صمت وخنوع هذه الأمة الراكدة وقد خلقت لتكون شاهدة. وللذكرى ننشر في هذا اليوم هذه اللقطة النادرة الآسرة لرئيس وزراء السودان محمد أحمد محجوب فارس ذلك الملتقى، ومقاتل تلك القمة الذي قام خطيباً بلسان ذرب وجنان ثابت وشاعرية فياضة، يعظ وينصح الملوك والأمراء والرؤساء، وقد كادت القمة أن تنهار بفعل نار الخصومات التاريخية التي يذكي نارها العدو من وراء الحدود ومن خلف الستار. كان الرجل حاضراً، وكانت خطبته شاهدة ومرصعة بآيات القرآن وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وأيام العرب وقد أدمع الرجل وهو يستشهد بأبيات أمير الدبلوماسية العربية صديق عمره عمر أبو ريشة المناضل والشاعر والسفير
أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلمِ؟
أتلقاك وطرفي مطرق خجلا
من أمسك المنصرمِ
ويكاد الدمع يهمي عابثاً
ببقايا كبرياء الألمِ
أين دنياك التي أوحت إليّ
وتري كل يتيم النغمِ
كم تخطيت على أصدائه
ملعب العز ومغنى الشممِ
وتهاديت كأني ساحب مئزري
فوق جباه الأنجمِ
أمتي كم غصة دامية
خنقت نجوى علاك في فمي
أي جرح في إبائي راعف
فاته الآسي فلم يلتئمِ
ألإسرائيل تعلو راية
في حمى المهد وظل الحرمِ!؟
كيف أغضيت على الذل ولم
تنفضي عنك غبار التهمِ؟
أوما كنت إذا البغي اعتدى
موجة من لهب أو من دمِ!؟
كيف أقدمت وأحجمت ولم
يشتف الثأر ولم تنتقمي؟
اسمعي نوح الحزانى واطربي
وانظري دمع اليتامى وابسمي
ودعي القادة في أهوائها
تتفانى في خسيس المغنمِ
رب وامعتصماه انطلقت
ملء أفواه البنات اليتمِ
لامست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصمِ
أمتي كم صنم مجدته
لم يكن يحمل طهر الصنمِ
لا يلام الذئب في عدوانه
إن يك الراعي عدوَّ الغنمِ