السودان والسعودية .. مجلس استراتيجي يرسم مستقبل العلاقة بين البلدين

السودان والسعودية .. مجلس استراتيجي يرسم مستقبل العلاقة بين البلدين

تقرير: الهضيبي يس

كشف السفير السعودي لدى السودان، زيد بن مخلد الحربي، عن خطوة تحملها الأيام المقبلة، تمثلت في إطلاق المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السعودية والسودان، مشيرًا إلى أن هذه المسألة تحظى بأعلى مستويات الاهتمام والترتيب من قيادتي البلدين نحو آفاق واسعة للتعاون الاستراتيجي. وأكد السفير، خلال انطلاق برنامج «نور السعودية» الطبي التطوعي المجاني لمكافحة العمى والأمراض المسببة له ببورتسودان، أن المجلس يفتح رحلة جديدة ومتقدمة من العمل المشترك لترقية التعاون في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية والاستثمارية والإنسانية. وتأتي هذه الخطوة في إطار الحرص المتبادل على تعميق الشراكة الاستراتيجية بين الخرطوم والرياض، وتعزيز الدعم السعودي الشامل للشعب السوداني ومؤسساته في مختلف القطاعات الحيوية، بما يحقق المصالح المشتركة والازدهار الاقتصادي.

 

 

وتعتبر السعودية شريكًا استراتيجيًا للسودان فيما يُعرف بتعزيز مستويات القضايا الإقليمية التي تحمل الطابع الأمني والاقتصادي والسياسي على حد سواء، إذ توصف قضية البحر الأحمر وتأمين ممرات التجارة الدولية بأنها إحدى أهم تلك الملفات التي تجمع الدولتين، فضلًا عن دور الرياض في دعم السودان اقتصاديًا ما قبل وبعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023.
ويأتي ذلك في وقت اكتسب فيه التعاون السوداني السعودي بعدًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا؛ إذ أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، في يناير 2026 قرارًا بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية، استنادًا إلى ما تم الاتفاق عليه خلال لقائه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. كما شهد فبراير من العام نفسه اجتماعًا تحضيريًا للجنة التشاور السياسي بين البلدين، جرى خلاله بحث حوكمة المجلس وآليات تفعيله تمهيدًا لانطلاق أعماله.
وفي يوليو 2026، أعلن وزير الخارجية السوداني، محيي الدين سالم، أن السودان والسعودية سيوقعان في أغسطس اتفاقًا لإنشاء المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي، مؤكدًا أن الخطوة تمثل نقلة نوعية في مسار العلاقات بين البلدين، وأن المجلس سيكون إطارًا مؤسسيًا لتوحيد الرؤى وتفعيل مجالات التعاون والارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى شراكة استراتيجية شاملة.
بينما جاءت وثيقة تحالف الدول (المتشاطئة)، والتي شارك فيها السودان بوفد قبل أيام بالعاصمة السعودية الرياض بقيادة رئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا، ضمن (16) دولة أخرى، إحدى الاتفاقيات المتوقع أن يلعب فيها السودان دورًا مهمًا على مستوى حماية المياه الإقليمية المشتركة، باعتبارها خاصة بما بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية وتصاعد حدة التوتر بمنطقة البحر الأحمر وخليج عدن، مع الإدراك بامتلاك السودان لنحو 800 كيلومتر داخل مياه البحر الأحمر في تداخل يجمعه مع دول السعودية ومصر وإريتريا واليمن والصومال.
وتشير البيانات الجغرافية المنشورة إلى أن الساحل السوداني على البحر الأحمر يمتد لنحو 800 كيلومتر، وهو ما يمنح السودان أهمية استراتيجية كبيرة في منظومة أمن البحر الأحمر والممرات البحرية والتجارة الدولية.
ويؤكد الباحث في الشؤون السياسية، الرشيد أحمد إبراهيم، أن إعلان السعودية عن قيام مجلس للتنسيق الاستراتيجي مع السودان أمر يعني الانتقال إلى مربع جديد من سمة العلاقة التي تجمع ما بين الدولتين، في وقت تكسب أهمية الخطوة من حيث عوامل التوقيت، بدءًا من تصاعد وتيرة المهددات على منطقة الشرق الأوسط تحديدًا، زيادة على تبني (الرياض) قيام حلف جديد يستند إلى توفير مصدات لمنطقة البحر الأحمر التي أضحت محط تركيز عالٍ لحركة الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي، وفقًا لتعهدات سابقة قطعتها على نفسها وفي إطار ما يُعرف ببرنامج حماية الأمن والسلم الدوليين.
ويضيف الرشيد: وأما ما يعنيه ذلك بشأن السودان، فإن موقعه (الجيوسياسي) يظل صاحب المكسب الأكبر الذي يحتاج للاستفادة منه وسط ما يخوضه الجيش من معارك عسكرية بحق مليشيا الدعم السريع منذ ما يزيد عن (3) سنوات، وهو بطبيعة الحال يحتاج إلى مساعدة لوجستية وإعادة ما دمرته الحرب من قبل حلفائه للوصول إلى نقطة الاستقرار التي تمكنه أيضًا من القيام بأدوار أكبر فاعلية وحيوية وبصورة إقليمية.
وزاد: فمن المتوقع أن يسهم مجلس التنسيق الاستراتيجي ما بين الخرطوم والرياض في الانتقال على مستوى العلاقات اقتصاديًا وأمنيًا و(جيوسياسيًا) إلى محطات متقدمة، علاوة على توفير جملة الاحتياجات الأساسية لداخل السودان وسط الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها السودان جراء الحرب، واستفادة (الرياض) من لعب السودان دورًا متقدمًا على مستوى قضية تحالف إعادة الشرعية في اليمن بقيادة السعودية بصورة عسكرية، والدفع بمزيد من المقترحات ذات الطابع الإقليمي والدولي لحل أزمة الحرب في السودان، باعتبار تأثير السعودية على المحيط الدولي ودورها مؤخرًا ضمن دول مجموعة مبادرة الرباعية.
ومن زاوية أوسع، فإن الانتقال إلى علاقة استراتيجية مؤسسية بين الخرطوم والرياض يمكن أن يفتح مجالات أكبر للتنسيق في ملفات الأمن البحري والاقتصاد والاستثمار والتنمية والعمل الإنساني، كما يمنح الطرفين قناة سياسية أكثر انتظامًا لتنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية. وبالنسبة للسودان، تكتسب الخطوة أهمية خاصة بسبب موقعه على البحر الأحمر وموارده الزراعية والطبيعية وحاجته إلى إعادة الإعمار، بينما تستفيد السعودية من تعزيز أمن محيطها الإقليمي وتوسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية في السودان.
كما أن أهمية المجلس لا تقف عند حدود الدعم السياسي أو الاقتصادي المباشر، إذ إن تحويل العلاقات إلى إطار مؤسسي رفيع المستوى يعني الانتقال من التعاون المرتبط بالظروف والأزمات إلى آلية أكثر انتظامًا لتحديد الأولويات، ومتابعة الاتفاقات، وربط الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية والتنموية ضمن رؤية مشتركة بين البلدين.