مستشار ترامب .. الحياد المفقود

مستشار ترامب .. الحياد المفقود

تقرير: الهضيبي يس

هاجم السفير عمار محمد محمود، القائم بأعمال المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، على خلفية موقفه من الضربات الأخيرة داخل الأراضي التشادية.
وقال محمود، في منشور ردًا على بولس، إن موقف المسؤول الأمريكي كان «متعجلًا ومنحازًا بصورة لا لبس فيها»، مضيفًا أن ما كتبه «قوّض مصداقيته على نحو خطير»، وأنه لم يعد قادرًا على الادعاء بصورة مقنعة بأنه وسيط محايد في الشأن السوداني. وجاء الرد السوداني بعدما قال بولس إن الولايات المتحدة تدين ما وصفه بـ«الغارات الجوية الأخيرة التي شنها الجيش السوداني داخل الأراضي التشادية»، داعيًا إلى وقف العنف داخل السودان وخارجه، ومؤكدًا أنه «لا يوجد حل عسكري للصراع». كما طالب بولس الأطراف بقبول هدنة إنسانية، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، داعيًا مجلس الأمن إلى التحرك لتحديث حظر الأسلحة ونظام العقوبات بما يعكس «واقع الصراع الراهن»، ومحاسبة الجهات التي تؤجج الحرب وتوسع نطاقها.

 

 

 

ويعكس رد المندوب السوداني تصاعد التوتر بين الخرطوم وبعض المسؤولين الأمريكيين بشأن طريقة تعاطي واشنطن مع الحرب، خصوصًا في ظل اتهامات سودانية متكررة للولايات المتحدة بتجاهل الدعم الخارجي المقدم إلى ميليشيا الدعم السريع، والتركيز على تحميل الجيش السوداني مسؤولية التصعيد.
وكان المبعوث الأمريكي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، قد اتهم (السودان)، في منشور سابق على منصة «إكس»، بتنفيذ الطيران السوداني ضربات جوية بحق دولة تشاد، مطالبًا في الوقت نفسه بتدخل المجتمع الدولي تحت طائلة حماية المدنيين العزل، دون أي بحث أو تقصٍّ عما ذهب إليه (مسعد بولس) في حديثه.
في المقابل، كان قد نفذ رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، زيارة خلال الأيام الماضية لكل من المناطق الحدودية عند إقليم النيل الأزرق وولاية القضارف، وقف خلالها على متحركات العمليات العسكرية، وأكد (البرهان)، في تصريحات صحفية، أن الجيش ماضٍ في الحرب ومجابهة أنشطة التمرد، في إشارة إلى مليشيا الدعم السريع، حتى وضع السلاح والاستسلام أو الموت.
بينما نفذ رتل من الطائرات بدون طيار (المسيرات)، تتبع لمليشيا الدعم السريع، هجومًا بحق قوافل إغاثية تتبع لبرنامج الأمم المتحدة عبر منظمة الغذاء العالمي، كانت في طريقها إلى ولاية جنوب كردفان، مما أسفر عن مقتل (9) أشخاص، حيث أدانت الأمم المتحدة، في بيان لها، الحادثة التي لم تكن الأولى، بطبيعة الحال، باستهداف الدعم السريع قوافل المساعدات الإنسانية وتعطيل حركة وصول احتياجات النازحين في المعسكرات، ووصفت الأمر بأنه خطير ويحتاج ليس فقط إلى الوقوف عند محطة الإدانة والشجب، وإنما إلى فتح باب التحقيق والمحاسبة.
ويعيش إقليم النيل الأزرق مواجهات عسكرية عنيفة ما بين جنود الجيش وعناصر مليشيا الدعم السريع على الحدود ما بين السودان وإثيوبيا، عند مناطق الكرمك وقيسان، وهو ما استدعى نزوح آلاف المواطنين نحو مدن ود الماحي والدمازين، في وقت دعا فيه حاكم الإقليم، أحمد العمدة، إلى ضرورة رفع مستوى الاستنفار وسط أبناء النيل الأزرق، وترتيب صفوف المتحركات لتحرير المناطق التي وضعت المليشيا يدها عليها، مؤكدًا، أثناء مخاطبته فعالية تتبع للفرقة (13) مشاة، أهمية تضافر كافة الجهود لإنهاء أي عمل عدائي تقوم به هذه الفئة التي قامت بتدمير المرافق الصحية والخدمية وتهجير المواطنين في مناطق (كرير وكرن كرن) وغيرها.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عثمان الطيب أن موقف الإدارة الأمريكية بشأن الحرب في السودان، على ما يبدو، بات منقوصًا في عملية البحث والتقصي بشأن ما يرد من معلومات، سواء عن تطورات الأوضاع العسكرية أو الإنسانية، وجملة التعقيدات التي يعيشها السودان مؤخرًا. فمن قبل، ذهبت إدارة الرئيس ترامب إلى اتهام السودان بأن الجيش قام باستخدام أسلحة كيميائية بحق المدنيين بإقليم دارفور والخرطوم، دون الإفصاح عن الدلائل والقرائن التي استند إليها مثل هذا الاتهام والإعلان، والآن ها هو المبعوث الخاص لشؤون منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا يذهب بالاتجاه ذاته، دون التأكد من مدى صحة ما يرد، وترديد رواية في غاية الانتقاص.
ويضيف الطيب: وتأكيد هذه المسائل هي التي ستفقد الحكومة السودانية ثقة التعامل مجددًا مع أي طرف قامت به الإدارة الأمريكية، خاصة أنها باتت تتجه نحو تفويض سيادة البلاد ومحاولة تطبيق مشروع سياسي عسكري يهدف، بطبيعة الحال، للحد من تحركات الجيش في مواجهة أي مخاطر، علاوة على وضع طرفي الحرب، حسب ما تدعي، في ميزان واحد، وهو قطعًا ما يعتبر مرفوضًا بالنسبة للسودانيين، نتيجة للانتهاكات الإنسانية التي اقترفت على يد مليشيا الدعم السريع، سواء بقتل وتنكيل ونهب وسلب ممتلكات المواطنين وتشريد الملايين منهم.
وزاد: فها هي مليشيا الدعم السريع ما تزال تقدم على تنفيذ أعمال عدائية بحق القوافل الإنسانية دون هوادة، وإنما تستخدم أسلحة متطورة الطراز أيضًا، وأن رغبت حقًا الإدارة الأمريكية في حل أزمة الحرب في السودان، عليها بدء مخاطبة القضية بكلياتها، والإسهام بشكل فاعل في توقف الأطراف الخارجية عن توفير التمويل للدعم السريع، والاعتراف بمدى تأثير وأبعاد الحرب السودانية على المنطقة ككل، ومتى ما استمرت يعني انخفاض مستويات الوضع الاقتصادي ومزيدًا من التردي الإنساني.