الأستاذ عبيد عبد النور .. (يا أم ضفاير قودي الرسن)

الأستاذ عبيد عبد النور .. (يا أم ضفاير قودي الرسن)

اعداد: صلاح الدين عبد الحفيظ

وُلد الأستاذ عبيد عبد النور في مدينة أم درمان عام 1896م، والتحق بمدرسة رفاعة الأولية عام 1902م، ثم مدرسة رفاعة الابتدائية (الوسطى). تخرّج في كلية غردون التذكارية، وكان من أوائل المعلمين الذين حملوا رسالة التعليم والتنوير في السودان. ويُعد الأستاذ عبيد عبد النور أحد رواد التعليم والثقافة والإعلام في السودان، ومن الشخصيات الوطنية التي أسهمت في بناء الوعي الوطني، وخلّدت اسمها في ذاكرة الوطن من خلال التعليم والأدب والشعر والإذاعة، فكان معلّمًا ومربيًا، وأديبًا وشاعرًا، وإعلاميًا رائدًا، ترك بصمات خالدة في تاريخ السودان الحديث. اهتم اهتمامًا كبيرًا بالأمثال والحكايات السودانية والتاريخ الوطني، وبرع في التمثيل والإخراج المسرحي، كما كان خطيبًا ومحاضرًا ومتحدثًا بليغًا، جمع بين سعة الثقافة وقوة البيان وحسن التأثير.

الحياة العملية

عمل معلّمًا بالمدارس الوسطى.
ابتُعث ضمن أول فوج إلى الجامعة الأمريكية في بيروت.
تولى تدريس مادتي التاريخ والتربية الوطنية بكلية غردون التذكارية. انتُدب للعمل بصحيفة حضارة السودان.

إنجازاته

يُعد من الرعيل الأول للمعلمين السودانيين. شارك في تمثيل العديد من الروايات الوطنية.
أسهم في كثير من الندوات التربوية والثقافية. شارك في مؤتمر الخريجين، وكان من المؤيدين لقضية استقلال السودان. أسس بعد تقاعده مدرسة بيت الأمانة، التي أصبحت من أشهر وأعرق المدارس الثانوية الأهلية، وضاهت المدارس الحكومية في مستواها العلمي، وتخرج فيها عدد كبير من أبناء السودان.
وقد بدأت المدرسة في منزله جنوب ميدان الخليفة، ثم انتقلت إلى العباسية على خور أبو عنجة، حيث تقوم اليوم مباني جامعة الزعيم الأزهري.

رائد من رواد الإعلام السوداني

يُعد الأستاذ عبيد عبد النور من أوائل رواد الإعلام في السودان؛ فقد انطلقت الإذاعة السودانية لأول مرة من منزله بأم درمان في مطلع أربعينيات القرن الماضي، وكانت تبث لمدة نصف ساعة يوميًا، تبدأ بتلاوة من القرآن الكريم، ثم نشرة خاصة بالحرب، وتُختتم بأغنية سودانية، قبل أن ينتقل البث لاحقًا إلى مبنى البوسطة.
وبذلك يُعد أول مذيع سوداني، ثم تبعه الأستاذ أبو عاقلة يوسف، بينما كان الأستاذ متولي عيد مديرًا للإذاعة.
كان الأستاذ عبيد عبد النور شاعرًا مجيدًا، ارتبط اسمه بالأغنية الوطنية الخالدة (يا أم ضفاير قودي الرسن). وهي من أشهر أناشيد ثورة عام 1924م، وقد ذاعت وانتشرت على نطاق واسع، وكان طلبة الكلية الحربية يرددونها في مسيراتهم الوطنية، فتتجاوب معهم الجماهير بالحماس والفخر.

يا أم ضفاير قودي الرسن
واهتفي فليحيا الوطن
أصلوا موتي فوق الرقاب
كان رصاص أو كان بالحراب
البدور عند الله الثواب
اليضحّي وياخد العقاب
يا الشباب الناهض صباح
ودّع أهلك وامشي الكفاح
قوّي زندك وموت بي ارتياح
فوق ضريحك تبكي الملاح
يا كبار البلد الأمين
السكوت ده بيصح لمتين
بيّنوا لينا الرأي المبين
التكتّم هسّع مشين
ما بتشوفوا الذل والهوان
مصّ دمّانا وعقب امتهان
غنمونا حفظوا الأمان
بالنبابيت والخيزران
قوّة هايلة وإيمان ضعيف
إنجليزي ومخلوق رهيف
طابية في قصاد زول نحيف
بطنه خالية وإيمان نطيف
إنتِ غالية وهم رخصوك
إنتِ سمحة وهم وسّخوك
إنتِ لينا وحياة أبوك
نمشي ليك فوق نيران وشوك
الشوارع بتسائلن
بالعساكر يتمايلن
البنادق يتلامعن
والمدافع طبعًا يجن
إنتِ عارفة وما بعرفوك
إنتِ نورنا وعمدًا طفوك
إنتِ روحنا وفي النار رموك
ضحكوا بينا ونصبوا الشّروك
واستبدّوا وسوّوا القدر
وقالوا نحن السما والقمر
وأنتِ مش من نوع البشر
البقول البم يبلع حجر
حالة صعبة ومسرح فتن
دنيا فانية وفيها المحن
نحن نصبر لمن يحين
هاتفين فليحيا الوطن

ومن القصائد التي عبّرت عن الثورة التي تجيش في نفوس ثوار 1924 قصيدة «عبرة سوداني» التي حالت القوانين العرفية عن ذكر اسم كاتبها، وكان قد كتبها عقب زيارة اللورد اللنبي، أحد رجال البلاط الملكي البريطاني، الذي التقى مع الزعماء الدينيين السودانيين والأعيان ومشايخ القبائل، وأكد لهم في اللقاء أن بريطانيا لن تسلّم السودان لمصر، مما أثار حفيظة الثوار المنادين بوحدة الكفاح المشترك مع مصر، والذين رأوا أن زيارة اللنبي ما هي إلا محاولة أخرى لتمكين بريطانيا الهادف لفصل مصر عن السودان، ويقول فيها:

أيها القوم نجرو الذيولا يأنف الحر أن يعيش ذليلا
سمتمونا العذاب ضيّقتم الأرض علينا حتى هوينا الرحيلا
إن أردتم إصلاحنا قد فعلتم فاعذرونا إذا مللنا الدخيلا
وقبيح أن ترتضي الذل دهرًا ونرى مالنا لكم مبذولا
فادّعيتم نشر الحضارة والعرفان والشعب لا يزال جهولا
ويح قلبي ماذا يروم اللنبي يوم وافى يجر سيفًا صقيلا
جمع الجمع أرهب القوم حتى أصبح السيد النبيل ذليلا
فلماذا نراه يملي عليهم وتراه مدوّنًا ما قيلا
أتراه يريد يفصم حبلًا بين مصر وبيننا موصولا
مصر إن تترك الغريب رقيبًا سوف نقضي ونغضبن النيلا
فهو يحنو على بتيه جميعًا كم شربنا من مائه سلسبيلا
أنبت النيل فتية وكهولًا جاهدوا في سبيل مصر طويلًا

وقد كتب الأستاذ حسن نجيلة في كتابه «ملامح من المجتمع السوداني»، أن الشاعر كان يدعو المرأة السودانية إلى أن تكون شريكة للرجل في حب الوطن والنضال من أجل حريته واستقلاله.

مما قيل عنه:

قال الأديب محجوب عمر باشري: “إن الدور الذي لعبه عبيد عبد النور في الفكر السوداني لا يُستهان به، فقد كان المستشرق هيللسون يدرّس التاريخ الإسلامي باللغة العربية ويعتمد على آراء المستشرقين، لكن عبيد عبد النور رجع إلى المؤرخين العرب والمسلمين، وصحح كثيرًا من الأخطاء.”
لقد كان الأستاذ عبيد عبد النور مدرسة قائمة بذاتها؛ جمع بين رسالة التعليم، وصدق الوطنية، وريادة الإعلام، وإبداع الشعر، فكان صوته حاضرًا في ميادين المعرفة، وقلمه منارة للوعي، وكلمته نبراسًا للأجيال. ولم يكن عطاؤه محصورًا في فصل دراسي أو قصيدة وطنية، بل امتد أثره إلى صناعة الإنسان السوداني الواعي، وترسيخ قيم الحرية والانتماء. وسيظل اسمه حاضرًا في سجل الرواد الذين خدموا وطنهم بعلمهم وفكرهم وإخلاصهم، فاستحقوا أن يخلدهم التاريخ، وأن تبقى سيرتهم مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة.
توفي الأستاذ عبيد عبد النور عام 1963م. وقبل وفاته أوصى بدفنه في المدرسة التي أسسها، اقتداءً بشيخه بابكر بدري، الذي دُفن في مدرسة الأحفاد، لكن سلطات الحكم العسكري آنذاك رفضت الإيفاء بالوصية، فدُفن جثمانه بمقابر البكري بأم درمان. وفي عهد الحكومة البرلمانية التي أعقبت الحكم العسكري (1958-1964)، أوصى إسماعيل الأزهري، رئيس مجلس السيادة آنذاك، بنقل رفات الأستاذ عبيد عبد النور إلى مدرسة بيت الأمانة الثانوية بحي العباسية في 21 ديسمبر 1966م. له الرحمة والمغفرة.