رمضان ترنتي .. أحد رواد العزف على آلة الجيتار في السودان

رمضان ترنتي .. أحد رواد العزف على آلة الجيتار في السودان

بقلم: الموسيقار شاكر عبد الرحيم

حين أستعيد بداياتي مع آلة الجيتار، وأتأمل مسيرة الموسيقى السودانية، لا بد أن أتوقف بمحبة ووفاء عند أسماء صنعت البدايات، ومهّدت الطريق للأجيال التي جاءت بعدها. ومن بين هذه الأسماء يظل أستاذنا الجليل رمضان علي بشير، المعروف بـ«ترنتي»، واحداً من رواد العزف على آلة الجيتار في السودان، واسماً يستحق أن تحفظه الذاكرة الموسيقية بكل تقدير.
أتحدث هنا من واقع تجربتي الشخصية. فعندما بدأت العزف على الجيتار في سنوات شبابي الأولى، كانت الساحة الموسيقية تضم عدداً محدوداً جداً من عازفي هذه الآلة. لم يكن هناك يوتيوب، ولا فرص متاحة للاستماع سوى الأسطوانات الغربية التي كنت أستمع إليها في منزل الخال مكاوي، مع أستاذنا الراحل سليمان أكرت وشقيقه عصام، في منزلهم العامر. وكانت أسماء العازفين يمكن أن نعدّها على أصابع اليد، من بينهم عزالدين يوسف، وصلاح خليل، وعمر عربي، والبروفيسور الفاتح الطاهر دياب، الذي يُقال إنه سبقهم في هذا المجال.
ولا يمكن أن ننسى أستاذنا الجليل عبدالفتاح الله جابو، الذي صنع جيتاراً بيديه، في صورة تجسد الشغف بالموسيقى والإصرار على امتلاك أدواتها، كما لا يمكن الحديث عن تلك المرحلة دون الوقوف عند الفنان الكبير شرحبيل أحمد، الذي زاملته بالدراسة في معهد الموسيقى في فترة الثمانينيات. فقد تميّز بقدرته على العزف على الجيتار، والشعر، والتلحين، والغناء في آن واحد، مقدماً تجربة فنية متفردة في مسيرة الأغنية السودانية.
ومن الذكريات التي لا تزال حاضرة في ذهني برنامج فيصل الصادق وبرنامج «ركن الجنوب» الإذاعي، الذي أتاح للمستمعين التعرف على نماذج متعددة من عازفي الجيتار والفرق الموسيقية، ومن بينها فرقة الرجاف والعديد من الفرق التي قدمها إخوتنا من جنوب السودان، وأسهمت في إثراء المشهد الموسيقي السوداني.
والحق يقال، لقد استفدت كثيراً من تجارب شرحبيل أحمد، وصلاح خليل، ورمضان علي بشير «ترنتي»، وعمر عربي. فقد كنت أراقب كيف يتعامل هؤلاء الرواد مع الجيتار، وكيف يوظفونه في خدمة أغنيتنا السودانية، بروح تستوعب خصوصية موسيقانا وتمنحها في الوقت نفسه آفاقاً جديدة من التعبير.
كانوا أساتذة ومصادر إلهام، تعلمت من تجاربهم، وسرت على الدرب الذي عبدوه بجهدهم واجتهادهم. وحين أواصل اليوم استحضار تلك المرحلة، فإنني أشعر بواجب الوفاء تجاه كل من أسهم في تشكيل تجربتي الموسيقية، وترك بصمة في وجداني.
واليوم، يعتصر القلب حزناً لرحيل أستاذي وصديقي ومعلمي، رمضان علي بشير «ترنتي»، الذي رحل عن دنيانا في القاهرة، تاركاً وراءه ذكريات جميلة وإسهاماً يستحق التوثيق والتقدير.
رحل الجسد، لكن ما زرعه في نفوس تلاميذه ومحبيه، وما قدمه للموسيقى السودانية، سيظل جزءاً من تاريخها وذاكرتها.
سلامٌ على روحك يا أستاذ رمضان، وسلامٌ على أيام تعلمت فيها منك، وعلى دروب فنية جمعتنا، وعلى ذلك الجيل الذي حمل الجيتار بحب، وجعله صوتاً من أصوات هويتنا الموسيقية.
ستظل في ذاكرتي أستاذاً أعتز به، وصديقاً أفتخر بمعرفته، ورائداً من رواد الجيتار في السودان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.