الاعتداء الإثيوبي.. السودان يحتفظ بحق الرد وسط صمت إفريقي

الاعتداء الإثيوبي.. السودان يحتفظ بحق الرد وسط صمت إفريقي

تقرير: مجدي العجب

الحروب وحدها لا تكشف معادن الدول، ولا ميادين القتال وحدها تختبر إرادة الشعوب، فثمة لحظات أكثر قسوة، تتجاوز فيها المواجهات حدود الاشتباك العسكري لتطال شرايين الحياة ومقومات البقاء، وتصبح فيها محطات الكهرباء ومحولات الإمداد والمنشآت الحيوية أهدافاً لا يُراد من استهدافها حسم معركة بقدر ما يُراد إنهاك مجتمع بأكمله، وإغراقه في ظلام المعاناة، وتعطيل تفاصيل حياته اليومية. وحين تمتد الاعتداءات إلى البنى التحتية، فإنها لا تستهدف الحديد والأسلاك والمنشآت فحسب، بل تمس حق الإنسان في الحياة الكريمة، وتضع أمن المدن واستقرارها ومعاش أهلها في مرمى النار. ومن هنا، يواجه السودان عدواناً إثيوبياً مباشراً يستهدف منشآته الحيوية ويضرب محولات الكهرباء، وهو اختبار جديد وحقيقي في معركة تتجاوز حدود الحرب القائمة، وتفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة بشأن طبيعة التصعيد وأهدافه والجهات التي تسعى إلى توسيع دائرة الاضطراب في الإقليم. فالكهرباء ليست خدمة ثانوية يمكن الاستغناء عنها، ولا محولاتها أهدافاً هامشية في حسابات الصراع؛ إنها ضرورة ترتبط بعمل المستشفيات، واستمرار الخدمات الصحية، وإمدادات المياه، والاتصالات، ومصالح المواطنين، واستقرار الحياة العامة. ومن ثم، فإن استهدافها لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثاً عابراً، بل باعتباره مساساً مباشراً بمقدرات الدولة وحقوق شعبها، وتحدياً يستوجب موقفاً واضحاً من المجتمعين الإقليمي والدولي.

 

 

 

غير أن ما يثير الاستغراب، ويبعث على الأسى، ليس خطورة الاعتداءات وحدها، وإنما ذلك الصمت الإفريقي الذي يحيط بها، وكأن السودان ليس دولة ذات سيادة، أو كأن ما يتعرض له من استهداف لا يستحق أن يتصدر أجندة المؤسسات التي أُنشئت، في جوهرها، لحماية أمن القارة واستقرارها، والدفاع عن سيادة دولها، ومنع النزاعات من التحول إلى حرائق عابرة للحدود. وهنا تتجه الأنظار، على وجه الخصوص، إلى منظمة الإيغاد والاتحاد الإفريقي، باعتبارهما المؤسستين المعنيتين بصورة مباشرة بقضايا الأمن والسلم في المنطقة والقارة. فأين موقف الإيغاد إزاء ما يتعرض له السودان من استهداف لبناه التحتية؟ وأين صوت الاتحاد الإفريقي، الذي طالما تحدث عن احترام سيادة الدول، ورفض التدخلات الخارجية، وحماية المدنيين، وصون الاستقرار الإقليمي؟ وكيف يمكن لهذه المؤسسات أن تواصل الحديث عن الحلول السلمية والتضامن الإفريقي، بينما تغيب مواقفها حين تكون المنشآت المدنية ومقدرات الشعوب عرضة للاعتداء؟
إن الصمت في مثل هذه القضايا لا يمكن أن يُقرأ بوصفه حياداً سياسياً، ولا أن يُبرر باعتبارات التوازن الدبلوماسي؛ فحين يتعلق الأمر بسيادة الدول وسلامة منشآتها الحيوية، يصبح الصمت موقفاً في حد ذاته، وتغدو المساواة بين المعتدي والمعتدى عليه ضرباً من الالتباس الأخلاقي والسياسي. وليس المطلوب من الإيغاد أو الاتحاد الإفريقي أن ينحازا إلى طرف في صراع، وإنما أن ينحازا إلى المبادئ التي قامت عليها مؤسساتهما، وأن يضعا حدوداً واضحة أمام أي اعتداء يمس أمن الدول الإفريقية ومقدرات شعوبها.
إن السودان لا يطلب من هذه المؤسسات أكثر من موقف مسؤول، يضع الحقائق في موضعها، ويدين استهداف المنشآت المدنية، ويدعو إلى وقف التصعيد، ويؤكد أن سيادة الدول ليست مادة للمساومة، وأن أمن الشعوب لا يجوز أن يكون رهينة لحسابات المصالح والتحالفات. أما أن تظل هذه المؤسسات أسيرة الصمت، أو تكتفي ببيانات عامة لا تلامس جوهر الأزمة، فذلك لا يضعف السودان وحده، بل يضعف فكرة العمل الإفريقي المشترك، ويقوض الثقة في قدرة القارة على حماية نفسها من النزاعات والاعتداءات.
وفي المقابل، فإن السودان، وهو يواجه هذه التحديات، لا يتعامل مع حقه في الرد باعتباره دعوة مفتوحة إلى الحرب، ولا ينظر إلى القوة بوصفها غاية منفصلة عن حسابات الدولة ومصالح شعبها. فاحتفاظه بحقه المشروع في الدفاع عن سيادته وأمنه ومقدراته يظل أمراً لا يقبل التفريط أو المساومة، لكنه في الوقت ذاته يدرك أن إدارة الصراعات لا تقوم على الانفعال، وأن حماية الوطن لا تعني بالضرورة الانجرار إلى كل مواجهة تُفرض عليه، أو فتح أبواب جديدة للاستنزاف في توقيت بالغ الحساسية.
إن السودان الذي يخوض حرباً تستنزف موارده، وتثقل كاهل شعبه، وتفرض على مؤسساته العسكرية والسياسية والاقتصادية تحديات استثنائية، ليس معنياً بتعدد جبهات القتال، ولا بتوسيع دائرة المواجهة بما يبدد قدراته ويشتت جهوده. فالدولة التي تنظر إلى أمنها القومي بعين المسؤولية تعرف أن المعارك لا تُقاس فقط بما تحققه من مكاسب ميدانية، وإنما أيضاً بما تتركه من آثار على استقرار الداخل، وقدرة المؤسسات على أداء واجباتها، ومصالح المواطنين الذين دفعوا ثمناً باهظاً للحرب.
ومن هنا، فإن حرص السودان على عدم الانجرار إلى حرب جديدة مع إثيوبيا لا ينبغي أن يُفسر باعتباره ضعفاً أو تراجعاً أو قبولاً بالأمر الواقع؛ بل هو تعبير عن حسابات استراتيجية تضع الأولويات الوطنية في مقدمة الاعتبارات، وتدرك أن فتح جبهة إضافية قد يضاعف أعباء الحرب القائمة، ويمنح خصوم السودان فرصة لتوسيع دائرة الاستنزاف، ويضع البلاد أمام تحديات لا تخدم مصالحها العليا.
فثمة فرق كبير بين ضبط النفس والعجز، وبين تجنب التصعيد والتنازل عن الحقوق، وبين السعي إلى السلام والتفريط في السيادة. والسودان، وهو يوازن بين هذه الاعتبارات، لا يتخلى عن حقه في الرد، ولا يمنح أحداً حصانة من المساءلة، وإنما يحتفظ لنفسه بحرية اختيار التوقيت والوسيلة التي يراها مناسبة للدفاع عن مصالحه، وفق ما تقتضيه حسابات الأمن القومي وتطورات الميدان.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى أديس أبابا، وإلى الإيغاد والاتحاد الإفريقي، وإلى كل الأطراف المعنية بأمن المنطقة، هي أن السودان لا يسعى إلى توسيع الحرب، لكنه لن يقبل أن تتحول رغبته في تجنب المواجهة إلى فرصة لاستباحة مقدراته. فهو لا يريد حرباً جديدة، لكنه لا يتنازل عن حقه في حماية أرضه وشعبه ومنشآته الحيوية؛ ولا يبحث عن فتح جبهة إضافية، لكنه لن يسمح بأن يصبح ضبط النفس عنواناً للتهاون مع الاعتداءات.
وفي لحظة كهذه، لا يحتاج السودان إلى مزيد من الشعارات الإفريقية، بقدر ما يحتاج إلى مواقف واضحة ومسؤولة، ولا يحتاج إلى دعوات فضفاضة للتهدئة تتجاهل جذور الأزمة، بقدر ما يحتاج إلى إدانة صريحة للاعتداءات، وضمانات حقيقية تمنع تكرارها، واحترام كامل لسيادته وحقه في الدفاع عن نفسه.
فالأوطان لا تُقاس بقدرتها على إشعال الحروب، وإنما بقدرتها على حماية مصالحها، وصون كرامة شعوبها، وإدارة الأزمات دون التفريط في الحقوق. والسودان، وهو يقف أمام هذه التحديات، يدرك أن ضبط النفس ليس استسلاماً، وأن تأجيل المواجهة ليس إلغاءً لحق الرد، وأن السلام لا يكون سلاماً حقيقياً إذا قام على الصمت عن العدوان.
إن استهداف البنى التحتية السودانية، الذي تمارسه إثيوبيا ضد الدولة والشعب السوداني، يضع المنطقة أمام منعطف بالغ الخطورة، ويستوجب موقفاً لا يحتمل المواربة من الإيغاد والاتحاد الإفريقي. أما السودان، فسيظل متمسكاً بحقه في الدفاع عن سيادته، حريصاً على تجنب توسيع دائرة الحرب، ومؤكداً أن أمنه القومي ليس مجالاً للتجريب، وأن صبر الدولة لا يعني غياب الإرادة، وأن حق الرد لا يسقط لمجرد أن الدولة اختارت، في لحظة معينة، أن تُغلّب حسابات الحكمة على اندفاعات التصعيد.
وبين نار الحرب القائمة واحتمالات جبهة جديدة، يقف السودان أمام معادلة دقيقة، هي أن يحمي حقه دون أن يُستدرج، وأن يصون سيادته دون أن يبدد قدراته، وأن يثبت أن الدولة التي تعرف متى تواجه، ومتى تضبط إيقاع المواجهة، ليست دولة عاجزة عن الرد، بل دولة تدرك أن القرار العسكري، مثل القرار السياسي، ينبغي أن يكون محكوماً بمصلحة الوطن وحدها.

صمت إفريقي مخزٍ

وقال مستشار حملة سودان المستقبل، عادل عبد العاطي، إن الاعتداءات الإثيوبية على السودان تمثل خرقاً صريحاً لمبادئ حسن الجوار، وميثاق الاتحاد الإفريقي، وميثاق الأمم المتحدة. وأضاف عبد العاطي، في تصريح خصّ به «ألوان»، أن الأمر يبدو غريباً، بالنظر إلى أن إثيوبيا تستضيف مقر الاتحاد الإفريقي في العاصمة أديس أبابا، ومع ذلك تمارس انتهاكات بحق دولة جارة، في مخالفة واضحة للمبادئ التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول.
وأوضح أن الاعتداءات الإثيوبية ترتبط بنهج توسعي ذي جذور استعمارية، مشيراً إلى ما وصفه بمطامع إثيوبيا في التوسع داخل الأراضي السودانية، لا سيما في مناطق الفشقة والنيل الأزرق وغيرها. وأشار عبد العاطي إلى أن إثيوبيا تتذرع، بحسب تعبيره، بمنع الدمار وحماية الاستقرار، بينما تمارس على أرض الواقع أعمال التخريب والاعتداءات في المنطقة، وخاصة في السودان، الأمر الذي يستوجب موقفاً واضحاً إزاء هذه الممارسات.
وطالب في ختام حديثه الحكومة السودانية بتكثيف تحركها الدبلوماسي على المستويين الإفريقي والدولي، والعمل بفاعلية لمواجهة هذه الاعتداءات، بما في ذلك مخاطبة الاتحاد الإفريقي ومؤسساته بصورة مباشرة لمواجهته بصمته المخزي، وكذلك حشد المواقف الإقليمية والدولية الرافضة لأي انتهاك لسيادة السودان أو استهداف لمقدراته وبناه التحتية.

توقيت الرد السوداني

فيما قال الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور محمد تورشين إن صمت الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيغاد إزاء الاعتداءات الإثيوبية على السودان يمثل موقفاً وصفه بالجبن، ويعكس غياب المسؤولية تجاه ما تتعرض له دولة عضو من انتهاكات. وأضاف تورشين، في حديث لـ«ألوان»، أن المال السياسي الإماراتي، الذي قال إنه استمال إثيوبيا وكلّفها بشن حرب بالوكالة على السودان، قادر على شراء ذمم بعض التنظيمات الإفريقية وتوجيه مواقفها بما يخدم أجنداته السياسية، أو شراء صمتها.
وزاد، في حديثه لـ«ألوان»، أن ما يجري يمثل محاولة لجر السودان إلى حرب تخوضها إثيوبيا بالوكالة عن حكومة أبوظبي، بعد فشل مليشيا الجنجويد في تنفيذ مشروع السيطرة على السودان وانهيار مخططها.
وأكد تورشين أن السودان لن يُستدرج إلى المواجهة وفق توقيتات يفرضها الآخرون، مشيراً إلى أنه سيختار الوقت والزمان المناسبين للرد، إذا لم تتراجع إثيوبيا عن اعتداءاتها، بما يضمن حماية السيادة السودانية وصون المصالح الوطنية.

السيادة خط أحمر

ويبقى السودان، وهو يواجه هذه الاعتداءات، متمسكاً بحقه في الدفاع عن سيادته، محتفظاً بحق الرد في التوقيت الذي يراه مناسباً، ومؤكداً أن ضبط النفس لا يعني التفريط في الحقوق، وأن أمن الوطن ومقدراته خط أحمر لا يقبل المساومة.