
أمن السودان .. مصر تلوّح بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك
أمن السودان .. مصر تلوّح بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك
تقرير: القسم السياسي
تجاوزت مباحثات القاهرة والخرطوم، التي احتضنتها العاصمة المصرية الاثنين، حدود التشاور الدبلوماسي التقليدي، لتضع جملة من الملفات الاستراتيجية على طاولة التنسيق المشترك، في مقدمتها تطورات الأزمة السودانية، ومستقبل العلاقات الثنائية، وأمن مياه النيل، والتحديات المتصاعدة في منطقة البحر الأحمر. وجاءت الجولة الثالثة لآلية مشاورات «2+2» بين وزراء الخارجية والري في البلدين محملة برسائل سياسية وأمنية ومائية بالغة الأهمية، عكست تقارباً واضحاً في الرؤى إزاء القضايا المصيرية. كما حمل الإعلان المشترك تأكيدات مصرية لافتة بشأن دعم السودان ومؤسساته الوطنية، واستعداد القاهرة لاتخاذ التدابير التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين.
دعم السودان وإعادة الإعمار
وفي سياق تعزيز العلاقات الثنائية، استقبل وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج المصري، الدكتور بدر عبد العاطي، نظيره السوداني محيي الدين سالم، على هامش اجتماعات الجولة الثالثة لآلية التشاور «2+2» المنعقدة بالقاهرة، بمشاركة وزيري الخارجية والري من الجانبين.
وأكد عبد العاطي خلال اللقاء تنامي الزخم الذي تشهده العلاقات المصرية السودانية، مستنداً إلى الروابط التاريخية والاجتماعية التي تجمع شعبي وادي النيل، مشدداً على حرص بلاده على توسيع مجالات التعاون الثنائي، ودعم جهود إعادة الإعمار وتنمية البنية التحتية في السودان.
كما دعا إلى البناء على مخرجات القمة الرباعية التشاورية التي استضافتها مدينة العلمين، بما يعزز فرص تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة.
وتناول اللقاء تطورات الأزمة السودانية والجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهائها، حيث جدد الوزير المصري موقف بلاده الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته الوطنية، مؤكداً ضرورة احترام دول الجوار لسيادته وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.
وشدد عبد العاطي على أهمية أن يكون الحل السياسي نابعاً من الإرادة السودانية، مع دعم الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى وقف الحرب واستعادة الاستقرار والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تلبي تطلعات الشعب السوداني.
من جانبه، أعرب وزير الخارجية السوداني عن تقدير بلاده للمواقف المصرية الداعمة لوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، مثمناً الجهود المصرية الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار، ومؤكداً أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين وتطوير الشراكة في مختلف المجالات.
وحدة السودان
وحمل الإعلان المشترك لاجتماعات آلية «2+2» أبرز المواقف السياسية في هذه الجولة، إذ أكد البلدان رفضهما القاطع لأي تهديد يستهدف وحدة السودان وسلامة أراضيه، واتفقا على تعزيز التنسيق المشترك لدعم الاستقرار.
وجدد الجانب المصري تأكيد ما ورد في بيان الرئاسة المصرية الصادر في 18 ديسمبر 2025 بشأن الارتباط المباشر بين الأمن القومي المصري والسوداني، ورفض إنشاء أي كيانات موازية للدولة السودانية أو الاعتراف بها، باعتبار أن ذلك يمثل مساساً بوحدة البلاد وسلامة أراضيها ومؤسساتها الوطنية.
وفي موقف حمل دلالات سياسية وأمنية مهمة، أعلنت مصر استعدادها الكامل لاتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، دعماً للسودان وضماناً لعدم تجاوز ما وصفه الإعلان بالخطوط الحمراء المتعلقة بوحدته وسيادته ومؤسساته.
ويمثل هذا التأكيد أحد أبرز مخرجات الاجتماع، بالنظر إلى وضوح الموقف المصري من مستقبل الدولة السودانية، والارتباط بين استقرار البلدين ومتطلبات أمنهما القومي.
جبهة موحدة
وفي ملف المياه، أكد الجانبان أن الأمن المائي المصري والسوداني يمثل منظومة مترابطة لا تقبل التجزئة، واتفقا على ضرورة حماية حقوق واستخدامات البلدين المائية وفق اتفاقية مياه النيل لعام 1959.
وشدد الإعلان على أهمية الدور الذي تضطلع به الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل، باعتبارها الإطار المؤسسي لتنسيق المواقف وإعداد الرؤى المشتركة بشأن القضايا المتعلقة بالنهر، مع الاتفاق على دعمها فنياً ولوجستياً وضمان انتظام أعمالها.
وفيما يتعلق بالسد الإثيوبي، جدد البلدان رفضهما للتحركات الأحادية في حوض النيل الشرقي، واعتبرا أن استمرار إدارة السد بصورة منفردة، في غياب آلية قانونية ملزمة، يمثل تهديداً مستمراً لدولتي المصب.
ودعا الجانبان إثيوبيا إلى التخلي عن النهج الأحادي والعودة إلى التعاون وفق قواعد القانون الدولي، خاصة مبادئ عدم الإضرار والإخطار المسبق والتشاور والتوافق، حفاظاً على استدامة نهر النيل ومصالح الدول المعنية.
كما أكدا أن قضية السد تخص الدول الثلاث المعنية بحوض النيل الشرقي، وهي مصر والسودان وإثيوبيا، ورفضا محاولات توسيع دائرة أطرافها بإقحام بقية دول حوض النيل في القضية.
وفي المقابل، أكد البلدان دعمهما للتعاون والتنمية في دول الحوض، شريطة الالتزام بالدراسات والمعايير الفنية والقانونية، والإخطار والتشاور المسبق والتوافق بين الدول المعنية.
مبادرة حوض النيل
وامتدت المباحثات إلى مستقبل التعاون المائي بين دول حوض النيل، حيث شدد الطرفان على محورية مبادرة حوض النيل (NBI)، وضرورة المحافظة على قواعد التوافق التي تأسست عليها، باعتبارها المنصة الجامعة للتعاون بين دول الحوض.
ورحب البلدان بالتقرير المقدم إلى المجلس الوزاري للمبادرة في ديسمبر 2025، والذي دعا إلى استكمال المشاورات مع الدول غير الأطراف في الاتفاق الإطاري التعاوني (CFA)، بهدف معالجة شواغل مختلف الأطراف واستعادة الشمولية والتوافق.
وثمن الجانبان الدور الذي تضطلع به اللجنة المصغرة المعنية بالمشاورات، بقيادة أوغندا وعضوية رواندا وجنوب السودان، مؤكدين وجود إرادة سياسية جماعية لاستكمال العملية التشاورية وصولاً إلى مفوضية تمثل جميع دول حوض النيل.
البحر الأحمر
وفي تطور يعكس اتساع نطاق التنسيق المصري السوداني، تناول الإعلان المشترك قضية أمن البحر الأحمر، مؤكداً أن مسؤولية حوكمته تقع حصرياً على الدول المشاطئة، وفقاً لقواعد القانون الدولي.
ورفض الجانبان منح أي دولة غير مشاطئة نفاذاً بحرياً على حساب سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر ووحدتها وسلامة أراضيها وموانئها، كما شددا على رفض استغلال الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر أو فرض ترتيبات أحادية تمس أمن دول المنطقة.
ويعكس هذا الموقف توافقاً بين القاهرة والخرطوم بشأن ضرورة إبقاء أمن البحر الأحمر ضمن مسؤولية دوله، بعيداً عن محاولات توظيف التوترات الإقليمية لتحقيق مكاسب جيوسياسية.
إدانة استهداف المنشآت السودانية
وفي الشأن الأمني السوداني، أدان البلدان استهداف المليشيات المتمردة للبنية التحتية والمنشآت الحيوية في السودان، خاصة محطات الكهرباء والمنشآت المائية، عبر طائرات مسيرة أُطلقت من إحدى دول الجوار، وفق ما أورده الإعلان المشترك.
وجدد الطرفان التأكيد على ضرورة احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، ودعم مؤسساته الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية، للقيام بواجباتها الدستورية في حماية الأمن القومي، بما يشمل الأمن المائي.
وتكتسب هذه الإدانة أهمية خاصة لارتباطها باستهداف مرافق الخدمات الأساسية، وما يمثله ذلك من تهديد مباشر لحياة المواطنين واستقرار المؤسسات والبنية التحتية في البلاد.
تعزيز الشراكة
وعلى صعيد التعافي وإعادة الإعمار، بحث الجانبان آليات توسيع التعاون المصري السوداني في مختلف القطاعات، حيث أبدى الجانب السوداني تطلعه إلى تعزيز الشراكة مع القاهرة في مرحلة ما بعد الحرب، مثمناً المبادرة المصرية لتقييم الأضرار التي لحقت بخزان جبل أولياء.
كما أشاد باستمرار أعمال الصيانة التي ينفذها فريق من الخبراء الفنيين المصريين بالتعاون مع وزارة الزراعة والري السودانية، في خطوة تستهدف معالجة الأضرار ودعم المنشآت المائية الحيوية.
وأكد الجانب المصري دعمه لجهود الحكومة السودانية في إعادة الإعمار، واستعداده للعمل المشترك في القطاعات المختلفة بما يخدم المصالح المتبادلة للبلدين.
وفي السياق ذاته، رحبت القاهرة بطلب السودان تلبية الاحتياجات التدريبية العاجلة لكوادر وزارة الزراعة والري، بما يدعم التعافي المؤسسي لقطاع الري ويرفع قدرته على الإسهام في جهود إعادة الإعمار.
كما ثمن السودان استضافة مصر النسخة التاسعة من أسبوع القاهرة الدولي للمياه في أكتوبر 2026، وما شهدته من مبادرات وشراكات لتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في قضايا المياه.
مخرجات تتجاوز حدود اللقاء الدبلوماسي
وتكشف مخرجات الجولة الثالثة لآلية «2+2» عن توجه مصري سوداني لتوسيع التنسيق من الملفات الثنائية إلى القضايا المرتبطة بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية المشتركة، مع حضور واضح لملفات وحدة السودان، وأمن مياه النيل، واستقرار البحر الأحمر، وإعادة الإعمار.
كما تعكس المواقف الواردة في الإعلان المشترك رغبة البلدين في الانتقال بالعلاقات من مستوى التأكيد على الروابط التاريخية إلى شراكة أكثر ارتباطاً بالتحديات العملية، سواء في حماية المصالح المائية أو دعم مؤسسات الدولة السودانية أو إعادة تأهيل البنية التحتية.
وبين الرسائل السياسية المتعلقة بوحدة السودان، والتأكيدات المصرية بشأن اتفاقية الدفاع المشترك، والتوافق حول قضايا مياه النيل والبحر الأحمر، تبرز الجولة الثالثة بوصفها محطة مهمة في مسار العلاقات بين البلدين، تضع أسساً لمزيد من التنسيق في مواجهة التحديات الراهنة واستحقاقات المرحلة المقبلة.
