
الأمم المتحدة .. خطوات عملية لتحريك ملف الأسرى
الأمم المتحدة .. خطوات عملية لتحريك ملف الأسرى
تقرير: مجدي العجب
تتحرك الأمم المتحدة باتجاه تحويل ملف الأسرى والمحتجزين المدنيين في السودان من قضية إنسانية معلقة إلى خطوة عملية يمكن أن تشكل مدخلاً لبناء الثقة بين طرفي الحرب. وكشف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، عن تقدم في الاتصالات الرامية إلى وضع آليات للتعامل مع الملف، عقب مباحثاته في الخرطوم واتصاله بقائد مليشيا الدعم السريع. ويأتي التحرك في وقت تؤكد فيه الحكومة السودانية، عبر مواقف رسمية متكررة، استعدادها للتعامل مع المبادرات الإنسانية والإقليمية والدولية، بينما تظل العقبة الأساسية في كيفية تنفيذ الالتزامات وضمان وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى المحتجزين والتحقق من أوضاعهم وأعدادهم.
وأعاد المبعوث الأممي بيكا هافيستو ملف الأسرى والمحتجزين إلى واجهة التحركات الدولية بشأن الحرب في السودان، بعدما كثف اتصالاته مع القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع خلال سبتمبر الجاري، في محاولة لدفع إجراءات عملية لخفض التصعيد وحماية المدنيين وفتح مسار لتبادل الأسرى والمحتجزين المدنيين. وكان هافيستو قد التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان في الخرطوم في السادس من سبتمبر، وأعلن عقب اللقاء أنه نقل رسائل مهمة بشأن التهدئة وحماية المدنيين، معرباً عن تطلعه إلى مواصلة الاتصالات وصولاً إلى تبادل الأسرى والمحتجزين المدنيين بالتعاون الوثيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وفي اليوم السابق للقاء البرهان، كان المبعوث الأممي قد أجرى اتصالاً هاتفياً مع قائد مليشيا الدعم السريع «حميدتي»، تناول خفض التصعيد وحماية المدنيين.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن التحرك الأممي لا يقتصر على الدعوة العامة إلى الإفراج عن المحتجزين، وإنما يستهدف بناء إجراءات وآليات يمكن من خلالها حصر الأسماء والمعلومات وتسهيل عمليات الإفراج أو التبادل، مع الاستعانة باللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ويأتي هذا المسار متسقاً مع التزامات سابقة وافق عليها الجيش والمليشيا في إعلان جدة الموقع في مايو 2023، والذي نص على تزويد اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالمعلومات ذات الصلة بجميع المحتجزين والأسرى الذين اعتُقلوا أو احتُجزوا نتيجة النزاع، وتمكين اللجنة من القيام بمهامها.
كما أن الحكومة السودانية أكدت في مواقف سابقة استعدادها للتعامل مع المسارات السلمية والإنسانية. ففي نوفمبر 2024، أعلن وزير العدل أن حكومة السودان سعت إلى إنهاء الحرب بالوسائل السلمية وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وأشار إلى استجابة الحكومة للمبادرات الإقليمية والدولية، ومن بينها منبر جدة.
وفي مارس 2025، أدانت الحكومة رسمياً الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين والمعتقلين والمحتجزين والأسرى، وطالبت المنظمات الحقوقية بتوثيق تلك الانتهاكات، مستندة إلى أحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.
وتكشف هذه المواقف عن استمرار اهتمام الحكومة السودانية بالمسار الإنساني لملف المحتجزين، بالتوازي مع تمسكها بمواقفها بشأن سيادة الدولة وطبيعة التسوية السياسية. وخلال لقاء هافيستو برئيس الوزراء كامل إدريس، جرى التأكيد على عدم التفريط في السيادة الوطنية والقرار السيادي، مع رفض التدخلات الأجنبية، في الوقت الذي واصلت فيه الحكومة استقبال التحركات الدولية الرامية إلى دفع السلام.
وظل ملف الأسرى ظل حاضراً في التحركات السابقة، بما في ذلك عمليات إفراج عن محتجزين وأسرى خلال الحرب، وهو ما يؤكد أن القضية ليست جديدة، وإنما تعود الآن في إطار مسعى أممي أكثر تنظيماً لربطها بإجراءات بناء الثقة.
وتكتسب الخطوة الحالية أهميتها من كونها تضع ملفاً إنسانياً محدداً على طاولة التفاوض بعيداً عن القضايا السياسية والعسكرية الأكثر تعقيداً. فإذا نجحت الاتصالات في الوصول إلى قوائم دقيقة للمحتجزين وضمانات للتحقق من أوضاعهم، فقد يشكل ذلك إجراءً عملياً لبناء الثقة، بينما يظل نجاحه مرتبطاً بمدى الالتزام بالتنفيذ والتعاون مع الجهات الإنسانية المختصة.
ويرى الخبير في الشأن السوداني عبد اللطيف أحمد أن تحريك ملف الأسرى والمحتجزين يمثل اختباراً مهماً لإمكانية بناء إجراءات ثقة، لأن القضية ذات طبيعة إنسانية ويمكن فصلها نسبياً عن الخلافات السياسية والعسكرية. ويقول عبد اللطيف إن تجاوب الحكومة السودانية مع التحرك الأممي يتسق مع مواقف سابقة أبدت خلالها استعداداً للتعامل مع المبادرات الإنسانية، بينما تظل الخطوة الأهم هي ضمان تعاون المليشيا بصورة عملية، خصوصاً في ما يتعلق بتقديم المعلومات عن المحتجزين والسماح بالتحقق من أوضاعهم. ويضيف أن نجاح الأمم المتحدة والصليب الأحمر في هذا الملف قد يفتح قنوات اتصال أكثر انتظاماً، لكنه لا يعني بالضرورة انتقالاً فورياً إلى اتفاق شامل لوقف الحرب.
