
الخرطوم وموسكو .. علاقات دولية ومصالح استراتيجية
الخرطوم وموسكو .. علاقات دولية ومصالح استراتيجية
تقرير: الهضيبي يس
أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن وزير الخارجية سيرغي لافروف ناقش مع نظيره السوداني محيي الدين سالم استمرار المواجهة المسلحة والوضع في السودان. وجرى اللقاء في نيويورك على هامش الأسبوع الرفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. وقالت الخارجية الروسية في بيان إن المحادثات ركزت بصورة رئيسية على الوضع في السودان، في ظل المواجهة المسلحة المستمرة بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع. وأعرب سالم عن امتنانه للافروف للموقف الروسي المبدئي الداعم للحفاظ على وحدة الدولة السودانية وسيادتها وسلامة أراضيها. وأفادت الخارجية الروسية بأن الجانبين عبّرا عن تقديرهما العالي لمستوى التنسيق الثنائي في مجال السياسة الخارجية على منصة الأمم المتحدة.
كما بحث الجانبان مختلف جوانب تعزيز العلاقات الروسية السودانية، مع التركيز على توسيع التعاون التجاري والاقتصادي والإنساني، في مؤشر على اتساع مسارات العلاقة بين البلدين إلى جانب الملف السياسي والدبلوماسي.
وتُعد روسيا من أبرز الدول التي حافظت على علاقات وثيقة مع السودان خلال الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل 2023، إذ ظل الموقف الروسي داعماً، وفقاً للموقف المعلن من موسكو، لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه. وبرز هذا الموقف بصورة خاصة داخل مؤسسات المجتمع الدولي، وفي مقدمتها مجلس الأمن الدولي.
ومن بين القضايا التي شكّلت نقطة مفصلية بالنسبة للسودان والسودانيين، حكومةً وشعباً، قضية حظر الطيران التي أثارتها عدد من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية داخل مجلس الأمن الدولي خلال شهر سبتمبر الجاري. وفي هذا السياق، مثّل الموقف الروسي، بحكم عضوية موسكو الدائمة في مجلس الأمن وامتلاكها حق النقض، عاملاً مؤثراً في مسار أي مشروع دولي يحتاج إلى موافقة المجلس.
وتتمتع روسيا بحق النقض، إلى جانب أربع دول أخرى، داخل مجلس الأمن الدولي، وهو ما يمنحها قدرة على التأثير في القرارات المرتبطة بالأزمة السودانية. ويرى مراقبون أن هذا الموقع عزز هامش الحركة أمام السودان في مواجهة المبادرات والضغوط الدولية والإقليمية الرامية إلى الدفع نحو تسويات سياسية مختلفة، خصوصاً في ظل الانتهاكات التي تعرض لها السودانيون خلال الحرب.
وفي المقابل، لا تنفصل التحركات الروسية تجاه السودان عن حسابات أوسع تتصل بمصالح موسكو في القارة الأفريقية ومنطقة القرن الأفريقي. وتسعى روسيا إلى توسيع شبكة تحالفاتها وعلاقاتها في المنطقة، خاصة مع تراجع الحضور الفرنسي وبعض القوى الأوروبية في عدد من دول غرب ووسط أفريقيا، بينها تشاد والنيجر وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية متزايدة في التنافس الدولي، بالنظر إلى ما تمتلكه من موارد طبيعية، من بينها الذهب والمياه، إلى جانب موقعها الجغرافي وإمكاناتها الاقتصادية والتكنولوجية. ومن ثم، فإن السودان يمثل بالنسبة لموسكو جزءاً من شبكة أوسع من المصالح والعلاقات التي تتجاوز حدود الأزمة الحالية.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي علي دريج أن موسكو ترغب في الذهاب أبعد مما هي عليه الآن في إطار علاقاتها مع السودان، مستنداً إلى إدراك الدوائر الروسية لأهمية السودان، خاصة في حال إعادة التموضع وتحقيق قدر من الاستقرار السياسي والعسكري.
ويرى دريج أن الرهان الروسي على الجيش السوداني يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الحفاظ على مؤسسات الدولة وقدرتها على تنفيذ القرار داخلياً، باعتبار أن وجود مؤسسات دولة متماسكة يمثل، من وجهة نظر موسكو، عاملاً مهماً في بناء علاقات مستقرة وقابلة للتطوير مع الخرطوم.
ويضيف دريج أن الدور الروسي في السودان خلال الفترة المقبلة لن يقتصر على الجانب السياسي والدبلوماسي، مشيراً إلى أن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان إلى موسكو، المقررة في أكتوبر المقبل، يمكن أن تفتح النقاش حول عدد من الملفات الأساسية، بما في ذلك المتغيرات الجيوسياسية والاجتماعية ورؤية الحكومة السودانية لمستقبل العلاقة مع روسيا.
ويقول إن من بين الملفات المطروحة البحث عن ضمانات تساعد على استقرار الحكم في السودان، سياسياً وعسكرياً، إلى جانب تطوير التعاون بين البلدين بما يتناسب مع التحولات التي تشهدها المنطقة.
ويظل تطوير العلاقات السودانية الروسية مرتبطاً كذلك بالجانب الاقتصادي والعلاقات الخارجية، والاستفادة من القدرات والخبرات الروسية في دعم مساعي إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق يحفظ سيادة الدولة السودانية. ويرى دريج أن موسكو يمكن أن تضطلع بدور أكبر في التعامل مع المتغيرات الدولية المرتبطة بالأزمة السودانية، بما يسهم في إعادة تشكيل موازين التنافس الدولي حول موارد القارة الأفريقية ومصالح القوى الساعية إلى توسيع نفوذها في المنطقة.
وبذلك، تبدو العلاقة بين الخرطوم وموسكو قائمة على مسارات متوازية، تبدأ بالموقف السياسي داخل المؤسسات الدولية، وتمتد إلى التعاون الاقتصادي والإنساني، وصولاً إلى المصالح الجيوسياسية والاستراتيجية التي تحكم الحضور الروسي في السودان والمنطقة.
