ببكي وبنوح وبصيح

كتب: محرر ألوان

من الشخصيات النادرة والغامضة في تاريخ الثقافة والإعلام السوداني الراحل المبارك إبراهيم فهو مثال حي لعراقة الثقافة السودانية الوسطية وتغلغلها في كل أجزاء بلادنا شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، فالمبارك من أبناء جبال النوبة، وقد عمل في بداية حياته ممرضاً، وعرف بخدماته الطيبة بأم درمان ومساعدته للناس، وكان له اهتمام وشغف بالأدب والشعر والغناء.
ومن محطاته العجيبة أنه اشتغل بالفن وكان مغنياً وسجل إسطوانات بالقاهرة لصالح شركة صديقه ديمتري البازار. ومما يُعرف عنه أنه كان صديقاً ملازما للشاعر الملهم التيجاني يوسف بشير، وقد عمل بعدها بالصحافة حتى صار رئيساً لتحرير مجلة (هنا أم درمان).
أما شهرته الواسعة فقد كانت في تقديمه لبرنامج (حقيبة الفن) الذي ابتدره الإعلامي والشاعر والدبلوماسي صلاح أحمد محمد صالح. وعندما ذهب إلى لندن مذيعاً بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) قدم البرنامج صديقه الأستاذ علي شمو الذي غير اسمه من (من حقيبة الفن) إلى (حقيبة الفن) مباشرة.
وفي إحدى المهمات الإعلامية للأستاذ شمو حل مكانه المبارك إبراهيم، فلما عاد شمو وجد أن المبارك كان له شغف وحرص على البرنامج فلم ينازعه فيه فصار يقدمه عليه الرحمة حتى رحيله.
وقد استطاع استقطاب الكثير من شعراء الحقيبة وقد أدار معهم مجموعة من الحوارات نرجو أن لا تكون قد ضاعت بعد هذه الهجمة الشرسة لهؤلاء الأوغاد الذين أرادوا إحراق تراث كل حكومة 56.
وفي هذه اللقطة يظهر المبارك إبراهيم في حوار مع صديقه الشاعر إبراهيم العبادي مؤسس تجربة الحقيبة وناقلها من قيد الطنابرة إلى رحابة الغناء (ببكي وبنوح وبصيح للشوفتن بتريح).
وفوق ذلك هو من مؤسسي المسرح السوداني العريق على طريقة شكسبير وأحمد شوقي، ومن مسرحياته التي اشتهرت مسرحية (المك نمر) وحزمة من الأغنيات الجياد وشعر الدوبيت والإخوانيات والمدائح، وكان من المقربين في مجلس الإمام عبد الرحمن المهدي طيب الله ثراه.
والكتابة عن المبارك والعبادي تطول ولا تنقضي، رحمهما الله بقدر ما قدما للثقافة السودانية والأدب والشعر والفنون.