السودان ومصر .. إعادة الإعمار تفتح أبواب المصالح المشتركة

السودان ومصر .. إعادة الإعمار تفتح أبواب المصالح المشتركة

تقرير: الهضيبي يس

كشفت مصادر مصرية عن أن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ووزير النقل سيزوران السودان خلال الفترة المقبلة، لبحث ترتيبات مشروعات مشتركة، بينها إنشاء عاصمة إدارية جديدة للسودان. وقالت المصادر، في تصريحات صحفية لقناة روسيا اليوم، إن الزيارة المرتقبة تأتي في إطار التحرك المصري السوداني لتوسيع التعاون في مرحلة إعادة الإعمار، وإن ملف إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة سيكون من بين أبرز الملفات المطروحة خلال اللقاءات مع المسؤولين السودانيين. وكان السفير هاني صلاح، مساعد وزير الخارجية المصري لشؤون السودان وجنوب السودان، وسفير مصر السابق لدى الخرطوم، قد أشار إلى الزيارة المرتقبة، موضحًا أن التحركات المصرية تستهدف الإعداد لمشروع العاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب دفع مجالات التعاون الأخرى بين البلدين.

 

 

وتأتي الخطوة في وقت يتجه فيه السودان إلى إعادة ترتيب مؤسسات الدولة وتطوير البنية التحتية التي تضررت بشدة جراء الحرب، مع طرح إنشاء عاصمة إدارية جديدة ضمن خطط إعادة الإعمار والاستفادة من تجارب دول المنطقة.
وفي يوليو الماضي، أعلنت الحكومة السودانية رسميًا أن رئيس الوزراء كامل إدريس اطلع على ترتيبات زيارة وزير النقل المصري إلى البلاد، مشيرة إلى أن الزيارة ستتضمن بحث اتفاقيات لتنفيذ مشروعات تتعلق بالعاصمة الإدارية والمليون مسكن والطرق البرية.
وأعلنت الخرطوم في وقت سابق رغبتها في الاستفادة من الخبرة المصرية في التخطيط العمراني وإعادة الإعمار، خصوصًا أن القاهرة تمتلك تجربة حديثة في إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة ونقل عدد كبير من مؤسسات الدولة إلى تجمع عمراني جديد خارج القاهرة.
وأكدت المصادر أن التعاون المرتقب بين مصر والسودان لا يقتصر على العاصمة الإدارية، إذ تتوسع الاتصالات بين البلدين في قطاعات النقل والطرق والموانئ والكهرباء والمياه، بالتوازي مع جهود دعم إعادة إعمار السودان.
وفي قطاع النقل تحديدًا، تحظى مشروعات الربط بين البلدين بأهمية خاصة، في ظل بحث تطوير الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية والنقل البحري، بما يمكن أن يعزز حركة التجارة والأفراد بين مصر والسودان.
كما يتواصل التعاون في قطاع الكهرباء، حيث تعمل القاهرة والخرطوم على تطوير منظومة الربط الكهربائي وإعادة تأهيل عدد من مكونات البنية التحتية السودانية، في إطار أوسع لدعم الخدمات الأساسية خلال مرحلة إعادة الإعمار.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع استمرار التنسيق السياسي بين القاهرة والخرطوم بشأن الأزمة السودانية، إذ أكد وزير الخارجية المصري خلال لقاءات حديثة أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ودعم الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع عبر الحوار والتفاوض.
وتعتبر (مصر) أحد أبرز الشركاء والحلفاء السياسيين والعسكريين والاقتصاديين للسودان منذ عقود، نظرًا لحجم التداخل والمصالح المشتركة التي تجمع الدولتين على مستويات الجغرافيا والأمن القومي، وكذا الترابط التاريخي، ما يجعل الحكومة المصرية تفكر في شد أزر السودانيين، حكومة وشعبًا، وسط حالة التكالب الإقليمي والدولي عليه نتيجة للحرب التي اندلعت في (15) من شهر أبريل لعام 2023، والموقف المصري منذ الوهلة الأولى للنزاع المسلح، واعتبار مليشيا الدعم السريع مجموعة مسلحة خارجة عن القانون هدفت إلى الاستيلاء على السلطة عن طريق فعل عسكري.
والآن، وعقب طرد الجيش لعناصر الدعم السريع من عدة مدن سودانية، على رأسها العاصمة الخرطوم، لم تقف القاهرة عند حد التأييد السياسي فقط، إنما ذهبت لتبني مشاريع لإعادة إعمار ما دمرته الحرب على يد منسوبي الدعم السريع، وما طال مرافق ومؤسسات الدولة من دمار ونهب وسلب، بحثًا عن زيادة مستويات الإيقاع الاقتصادي والتكامل التجاري بين الدولتين، باعتبار أن (مصر) هي الأخرى لها مصالح في السودان لن تتخلى عنها وسط جملة التعقيدات الإقليمية والمتغيرات الدولية على صعيد خارطة العالم.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي صلاح الشيخ أن ما تنوي القاهرة فعله من التقدم خطوة تجاه الخرطوم من الناحية الاقتصادية والسياسية هو برنامج معلن قبل نحو عام، أي عقب إعلان العاصمة الخرطوم خالية من عناصر الدعم السريع، ولكن متى ما نظرنا للمسألة بمنظار أبعد، نجد أن الحكومة تولي ملف (السودان) اهتمامًا خاصًا، وقد تضاعف هذا الاهتمام ما بعد اندلاع حرب أبريل، نسبة لحجم التأثير ومآلات الحرب نفسها على المصريين أنفسهم، بدءًا من لجوء ما يقارب (5) ملايين سوداني إلى المحافظات المصرية المختلفة، وهو بدوره شكل ضغطًا مضاعفًا على مؤسسات الدولة المصرية اقتصاديًا وخدميًا، خاصة وسط وجود نحو (14) مليون لاجئ آخرين من دول أخرى يتواجدون بها.
ويضيف الشيخ أن الخطوات المرتقبة من قبل الحكومة المصرية تجاه السودان ستساعد كثيرًا على مضاعفة حجم مستويات التبادل في الميزان التجاري، خاصة أنه حتى مطلع العام 2026 لم يتجاوز حجم التبادل 600 مليون دولار، أي أقل بكثير من الشيء المتوقع، ولكن الدور المصري في انسياب المساعدات الإنسانية ومجابهة الكوارث الصحية التي ألمّت بالسودان خلال العامين الماضيين شكل أحد حوائط الصد الرئيسية في تخفيف آثار انتشار الأمراض الناقلة التي كادت أن تفتك بالسودانيين، مثل حمى الضنك والملاريا والكوليرا.
وزاد: كذلك فإن الموقف (السياسي) لمصر لم يقل عن برامج إعادة الإعمار والبنية التحتية، فلطالما كان التنسيق وتوحيد الرؤى عبر المحافل والمنابر الإقليمية والدولية بين السودان ومصر حول قضية الحرب والنزاعات المسلحة وتأثيرها وأبعادها على منطقة القرن الأفريقي، وضرورة التوصل لاتفاقيات تنهي تلك المواجهات العسكرية وتحفظ قيمة مؤسسات الدولة في ليبيا وإثيوبيا والسعودية والسودان وتشاد والصومال وفلسطين ولبنان وإيران، وتغيير مفهوم المجتمع الدولي نحو إدارة ملفات تلك المناطق، واعتبار أن حالة التنافس القائمة الآن لن تؤدي إلا إلى تحول قد يفضي إلى إشاعة الفوضى في المنطقة.