
من دفتر نجيب وبحيري ومدني الأميرية والمؤتمر
كتب: محرر ألوان
الذي لا يعرفه الكثيرون أن اللواء محمد نجيب أول رئيس جمهورية لمصر كان طالباً بمدرسة مدني الأميرية الوسطى، وقد ترعرع الرجل وسط أصدقائه السودانيين وأنداده وتعلم منهم بواعث الخير والوحدة والثورة وحب التغيير. وكانت له صلات راسخة ورفقة كفاح وسلاح مع ثوار 1924م، بل أنه كان ينفق بعض راتبه على أسر الشهداء. ويقول العارفون بأسرار الأمور وخفايا التاريخ بأن نجيب لو استمر رئيساً لحكومة مصر لما اختار السودانيون الاستقلال، لأن ثقتهم في الرجل كانت كبيرة وبلا حدود.
وقد حدثني الدكتور عبد الله حمدنا الله بأنه عليه الرحمة قد زار مع القيادي والرمز السوداني الكبير الوزير والسفير الدرديري احمد إسماعيل نجيب بعد أن أطلق السادات سراحه بطلب ملحاح من الشيخ محمد متولي الشعراوي وكان هذا شرط الشيخ الوحيد لقبوله منصب وزير الأوقاف.
قال دكتور عبد الله حمدنا الله دخلنا عليه وقد هدته السنوات فكأنما كان عمره قرنٌ من الزمان، وعندما رآنا انفجر باكياً وقال بلهجة سودانية دافئة خرجت من قلب دموعه ووجعه الخاص ووجه المُغَضّن ببؤس الليالي ومظالم الأيام والحزن: (يا حليلكم يا السودانيين خربتوا قلبي بالمحنة ومشيتوا خليتوني).
وهذه مناسبة يجيب ألا تفلت منا لنوثق للقارئ سيرة هذا الرجل الوطني الكبير الدرديري أحمد إسماعيل الذي يُعد أحد أبرز الشخصيات الوطنية والدبلوماسية والوزارية في تاريخ السودان الحديث، وهو أول سوداني ينال شهادة الأستاذية (الماجستير/الدكتوراه) في الحقوق من الخارج.
نشأ في السودان والتحق بكلية غوردون التذكارية، حيث انخرط مبكراً في العمل السياسي السري المناهض للاستعمار البريطاني وانضم إلى (جمعية الاتحاد السوداني) ويُذكر تاريخياً كأحد أوائل الطلاب السودانيين الذين فروا إلى مصر طلباً للتعليم العالي. لاحقاً، وبدعم من الأمير المصري عمر طوسون، أُوفد للدراسة في بريطانيا حيث نال شهادة الليسانس ثم الأستاذية في الحقوق من جامعة ليدز بين عامي 1934 و1937.
تبوأ الدرديري أحمد إسماعيل أرفع المناصب القانونية والدبلوماسية في السودان ومصر، فقد عمل وكيلاً لشؤون السودان في مصر عام 1952، وتولى حقائب وزارية في عدة حكومات سودانية متعاقبة، وعُين سفيراً لجمهورية السودان في القاهرة، وشغل منصب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، حيث أشرف على الشؤون القانونية بالجامعة وساهم بوضوح في ستينيات القرن الماضي في مشروع توحيد المصطلحات الحقوقية والتشريعية العربية.
هذه اللقطة للواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر بعد الثورة في لقطة نادرة في العام 1954م تجمعه مع صديقه أستاذ الجيل صالح بحيري زميله في مدرسة الأميرية بمدني والمؤسِس لاحقاً لمدرسة المؤتمر الثانوية أم درمان، التي بنتها الإدارة المصرية لقبول المفصولين من طلاب خور طقت الثانوية الذين فُصلوا عن بكرة أبيهم وكانت هذه النقطة السوداء الوحيدة في تاريخ المربي عبد الرحمن علي طه حين كان وزيراً للمعارف ووقع على فصل 109 طالباً من مدرسة خورطقت الثانوية عقب اضرابهم الشهير عام 1950م.
هذه دعوة للقراء الأعزاء بتوثيق تاريخ التعليم للرعيل الأول من الطلاب السودانيين الذي درسوا بالجامعات المصرية في الثلاثينيات والأربعينيات، والرجاء مدنا بتاريخ تأسيس مدرسة المؤتمر الثانوية وأشهر خريجيها.
